بين وجع المريض وأمل الشفاء، تقف مهنة عظيمة تمثل ركناً أساسياً في المنظومة الصحية. إنّها مهنة الصيدلة، التي تجاوز روّادها دور الوسيط التقليدي ليصبح الخبير الأول بالدواء والحارس الأمين على صحة المجتمع.
ولأن هذا الدور الإنساني لا يُقدّر بثمن، تتجه أنظار العالم في الخامس والعشرين من سبتمبر من كل عام للوقوف احتراماً لهذه المهنة العريقة في "يوم الصيدلي العالمي"، ليس فقط تقديراً لماضٍ مجيد، بل رهاناً على مستقبل صحي أكثر أماناً.
هذا العام، أطلق الاتحاد الدولي للصيدلة (FIP) شعاراً يحمل دلالات عميقة للمرحلة القادمة وهو "تمكين الصيدلي لمستقبل صحي أفضل" (Empowering pharmacists for healthier futures)، وهو شعار لا يحتفي بالماضي فحسب، بل يرسم خارطة طريق لمهنة تتطور بسرعة لتواكب تحديات الرعاية الصحية الحديثة، وحدّد له ثلاثة محاور: الوقاية، وتسهيل الحصول على الرعاية، واستدامة الأنظمة الصحية أمام تحديات قادمة من التحولات السكانية والأمراض المزمنة والتحول الرقمي وضغوط المناخ.
واللافت في صياغته أنه لم يوجَّه إلى الصيادلة، بل إلى الحكومات وصنّاع السياسات والجهات التنظيمية وشركات التأمين والمجتمع. أي أنّ التمكين هنا ليس تحية مهنية، بل مطالبة بتهيئة مناخ يتيح للصيدلي أن يمارس ما تدرّب عليه.
وهذه المحاور ليست جديدة على المهنة. بل لها جذور قديمة تعود حين افتتح أولى محلات الأدوية في بغداد عام 754م. ثمّ انتشرت بعدها الصيدليات مع مطلع القرن التاسع بلا تنظيم، والتي كان يديرها أشخاص تتفاوت معرفتهم. ولم يتغيّر ذلك إلا حين صدرت مراسيم في العهد العباسي ألزمت الصيادلة باجتياز الاختبارات والحصول على ترخيص، وانفصلت الصيدلة عن الطب لتصبح مهنة قائمة بذاتها لها قواعدها ودساتيرها، ومُنع الأطباء من امتلاك الصيدليات تجنبًا لتضارب المصالح.
فالترخيص المهني الذي نتعامل معه اليوم كإجراء إداري صارم، وُلد من حرص على حياة الناس، ومن إدراك مبكر بأن جودة النظام الصحي تُختبر عند صرف الدواء.
وما بعد بغداد، قرون تغيّر فيها معنى المرض نفسه. فالأدوية هي ما حوّلت أمراضاً مثل السلّ والالتهابات البسيطة من أسباب موت مألوفة إلى حالات تُعالَج، وجعل السكري حالة تُدار ويُتعايش معها بأمان، وأتاح للعلاج الكيميائي والمناعي أن يقلب مسار أورام كانت ميؤوسًا منها.
ويكفي أن ننظر إلى اللقاحات وأثرها في مرض مثل الجدري الذي رافق البشر آلاف السنين حاصداً الأرواح حتى أُعلن القضاء عليه عام 1980. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن التطعيم يمنع اليوم بين ثلاثة ملايين ونصف إلى خمسة ملايين وفاة سنويًا. ونصيب الصيدلة من هذا كله ليس الاكتشاف فقط، بل تحويل الاكتشاف إلى دواء يمكن أن يُعطى لإنسان. وهذا يبدأ باستكشاف نبات أو مادة خام، يليها مراحل مختلفة مثل استخلاص وتنقية واختبار جرعة وثبات وتحقّق من الفاعلية والأمان، ثم إنتاج ورقابة.
وفي المملكة العربية السعودية، بدأت مسيرة التخصّص بتأسيس أول كلية للصيدلة في جامعة الملك سعود عام 1959م، لتكون نواة خرجت منها كفاءات وطنية نوعية. ثم توسّع التعليم الصيدلي وتطورت برامجه من البكالوريوس إلى دكتور الصيدلة والإقامة والزمالات والتخصصات الدقيقة، وكانت كلية الصيدلة بجامعة الملك عبدالعزيز من أوائل الكليات التي أسّست برنامج دكتور الصيدلة، في خطوة نقلت التركيز إلى الرعاية المباشرة للمريض.
واليوم لم يعد دور الصيدلي مقتصرًا على الصرف، فالصيدلي الإكلينيكي ركيزة في الفرق الطبية داخل العنايات المركزة وأجنحة المستشفيات، يشارك في تعديل الجرعات ورسم الخطط العلاجية.
أما محوري الوقاية وتسهيل الوصول في شعار هذا العام، فيظهران في أبسط صورهما يوميًا. فالصيدلي أقرب الممارسين الصحيين إلى المريض، وأيسرهم وصولًا بلا موعد ولا إحالة وفي أي ساعة. هو من يلتقط التداخل الدوائي في وصفة مزدحمة، ومن يشرح الاستخدام الصحيح، ومن يناقش الطبيب في الخطة العلاجية الأنسب.وجزء كبير من عمله وقائي بطبيعته، لا يُرى ولا يُسجَّل في مؤشرات، بل يظهر في الضرر الذي لم يحدث، وفي زيارة للطوارئ تم تفاديها.
وفيما يخصّ المحور الثالث والخاص بالاستدامة، يتجلّى ذلك بوضوح في ملف الإمداد الدوائي الذي أصبح متصلًا بالأمن الوطني. فقد خطت المملكة خطوات كبيرة في توطين صناعة الأدوية الحيوية واللقاحات وتأسيس كيانات استثمارية وطنية، إلى جانب الدور الرقابي المتقدّم للهيئة العامة للغذاء والدواء التي أصبحت مرجعًا إقليميًا موثوقاً.
وتترجم الأرقام هذا التحوّل: فقد نما السوق الدوائي بنسبة 25% بين 2019 و2023 حتى بلغ عشرة مليارات دولار سنويًا، وتراجعت حصة الواردات في الفترة نفسها إلى 70%، وحدّد عام 2024 مئتي دواء يمثل توطين صناعتها أولوية وطنية، وبدأت خطوات فعلية في اثنين وأربعين منها. أمّا فيما يختصّ بالكوادر، فقد أعلنت وزارة الموارد البشرية عام 2023 ارتفاع عدد المواطنين العاملين في قطاع الصيدلة إلى أكثر من عشرة آلاف صيدلي، ورُفعت نسب التوطين اعتبارًا من 2025 إلى 35% في الصيدليات المجتمعية والمجمعات الطبية، و65% في صيدليات المستشفيات، و55% في أنشطة الصيدلة الأخرى.
هذه أرقام تستحق التوقّف والإشادة، فماذا عن التمكين في شعار هذا العام؟
إن شعار الاتحاد الدولي للصيدلة لهذا العام: "تمكين الصيدلي لمستقبل صحي أفضل" جاء في وقته تماماً. فهو يطلب من الحكومات والجهات التنظيمية والمجتمع أن يتيحوا للصيادلة ممارسة ما تعلّموه واكتسبوه من خبرات تراكمية. فالتمكين كما عرّفه الاتحاد الدولي للصيدلة هو: الكفاءة، والاعتراف المهني، وبيئة عمل تسمح للصيدلي أن يمارس بكامل إمكانياته، ويندمج بشكل حقيقي في النظام الصحي والأكاديمي والمجتمعي.
ولعلّ أجمل انعكاس لشعار هذا العام عن التمكين، هو ما يجسّده المشهد السعودي وبكلّ فخر عبر نماذج حيّة. فقد تجاوز الصيادلة حدود الممارسة التقليدية المهنية إلى قيادة مؤسسات وطنية كبرى؛ فمعالي الأستاذ الدكتور هشام الجضعي، أستاذ الصيدلة الإكلينيكية، يقود الهيئة العامة للغذاء والدواء. والأستاذ الدكتور أوس الشمسان، أستاذ الصيدلانيات، يرأس الأمانة العامة للهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
وفي القطاع الأكاديمي، سبق للأستاذ الدكتور أسامة طيب، أستاذ علم الأدوية، أن أدار جامعة الملك عبدالعزيز. فيما تتولى اليوم قيادات صيدلانية متميزة رئاسة جامعات كبرى مثل جامعة الأميرة نورة وجامعة طيبة وجامعة الطائف، ممثلة في الدكتورة نجلاء التويجري، والدكتورة نوال الرشيد، والأستاذ الدكتور يوسف عسيري.
ولا تمثّل هذه الأسماء نجاحات فردية فحسب، بل تكشف طبيعة علم وتخصّص ذو مسارات متنوّعة، يدرّب صاحبه على الدقّة، وتحليل المتغيرات المعقّدة، وإدارة المخاطر، والموازنة بين الفاعلية والسلامة، واتخاذ القرار بالدليل. وهي أبرز المهارات التي تتطلّبها المناصب القيادية.
وختاماً، ولأنّنا في المملكة نعيش عصراً ذهبياً لهذه المهنة، فإننا نرفع فوق الشعار العالمي شعاراً وطنياً نردّده باعتزاز: "صيدلي .. وأفتخر"، مستمدّين هذا الفخر من مقولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، حين وسم المهنة وأهلها بقوله: "مهنتكم عظيمة.. وحديثكم كالدواء". ولعلّ أجمل ما في هذه العبارة هو ما تحمله في طيّاتها من معانٍ أصيلة. لأنّ أثر الصيدلي لا يقف فقط عند حديث عن الدواء مع مريض، بل يمتدّ إلى قرارات تحمي مجتمعًا، وسياسات تبني قطاعًا، وقيادة ترسم مستقبلاً مزدهراً في الوطن بأكمله.
صيدلي.. وأفتخر
هبة مبارك الدوسري6 دقائق للقراءةحجم الخط
