تحتفي المملكة العربية السعودية في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام بيومها الوطني، إحياء لذكرى توحيد البلاد وإعلان اسمها الرسمي: المملكة العربية السعودية، واستذكارا لجهود الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في توحيد أرجائها حتى اكتمل ذلك عام 1351هـ الموافق 1932م، ثم قيادته نهضة شاملة في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية.

ففي الحجاز عين الملك عبدالعزيز ابنه فيصل نائبا عاما عنه، وكلفه بإنشاء مجلسي الشورى والوكلاء، وفي نجد أسند إلى ابنه سعود إدارة شؤونها، واتخذت إجراءات إضافية لتأسيس الإدارات الحكومية.

ومع اتساع خدمات الدولة في مختلف مناطق المملكة، أصبح من الضروري إنشاء مجلس الوزراء وتعيين الوزراء، فتم ذلك عام 1373هـ، ولم يتمكن الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - من افتتاحه بسبب مرضه، ثم افتتح المجلس في رجب من العام نفسه بعد وفاته.

واستمرت نهضة البلاد في مختلف المجالات خلال عهد الملوك الذين تعاقبوا على الحكم: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، رحمهم الله جميعا.

وفي هذا العهد الزاهر، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، انطلقت رؤية المملكة 2030 لتدفع مسيرة التنمية الشاملة، وتبرز ملامحها في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، يقوم على قيم الإسلام والاعتزاز بالهوية والتراث، ويتجه إلى تنويع مصادر الدخل، وتنمية الاستثمارات، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وجودة الحياة، ورعاية المواهب وتوسيع فرص العمل. ويعين المملكة على ذلك موقعها الجغرافي بين ثلاث قارات وما يتيحه من فرص للتجارة، والخدمات اللوجستية، وتنمية الصادرات، والشراكات.

ومن شواهد هذه النهضة تطوير الدرعية بوصفها مهد الدولة السعودية الأولى، وتقديم تاريخها للأجيال والزائرين مع الحفاظ على هويتها العمرانية. ويبرز مشروع البحر الأحمر في استثمار المقومات الطبيعية وتنمية السياحة مع العناية بالبيئة، فيما تفتح مشروعات القدية آفاقا واسعة للرياضة والثقافة والترفيه، بما يعكس اتساع النظرة إلى التنمية وارتباطها بحياة المواطن ومواهبه.

ويحتل البحث العلمي والابتكار والتطوير التقني مكانة محورية في بناء اقتصاد معرفي؛ فتوطين التقنيات المتقدمة وتحويل نتائج البحوث إلى تطبيقات في الصحة والطاقة والصناعة والبيئة يربطان المعرفة بحاجات المجتمع والإنتاج، ويتطلب ذلك رعاية الباحثين والمبدعين، وتنمية القدرات الوطنية، وتعزيز الصلة بين مؤسسات التعليم والبحث والقطاع الخاص.

وفي هذا السياق يأتي التحول الرقمي بوصفه أحد مسارات التطور؛ فالتوسع في شبكات الاتصال والخدمات الحكومية الرقمية يسهم في تيسير مصالح الناس، ورفع كفاءة الأعمال، وتنمية الاقتصاد الرقمي، وتأهيل المواهب الوطنية، وتوسيع مشاركة المرأة في المجالات التقنية، مع العناية بالذكاء الاصطناعي والبنية الحاسوبية ومراكز البيانات استعدادا لمتطلبات المستقبل.

وإذا كانت مؤسسات الدولة في مراحلها الأولى قد أرست قواعد الإدارة والخدمات، فإن تطويرها اليوم بالمعرفة والتقنية يواصل الغاية نفسها بوسائل العصر، وتكمن قيمة هذه الجهود فيما تحققه من نفع للمواطن، وقدرة للاقتصاد على الإنتاج والمنافسة، ويرتبط دوام أثرها بحسن الإدارة وكفاءة الإنفاق وجودة التنفيذ وتأهيل العاملين والمحافظة على الموارد والمرافق.

إن الاحتفاء باليوم الوطني يستلزم تعريف الأجيال بما بذل من عمل وتضحيات، وتنمية شعورها بالمسؤولية تجاه ما تسلمته من مكتسبات؛ فالطالب باجتهاده، والموظف بأمانته، والمعلم بإخلاصه، والباحث بابتكاره، وصاحب العمل بحرصه على الجودة وتأهيل الكفاءات الوطنية، يسهمون جميعا في استمرار بناء الوطن ويعبرون بأعمالهم عن اعتزازهم بالانتماء إليه.

وفي هذه المناسبة الغالية نسأل الله تعالى أن يديم على وطننا أمنه ووحدته ورخاءه، وأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، ويبارك في جهود أبناء الوطن وبناته، ويعينهم على مواصلة مسيرته.