هناك أوطان تصنعها الجغرافيا، وأوطان تصنعها المصادفة، وأوطان تصنعها إرادة الرجال.

أما المملكة العربية السعودية، فكانت حكايتها مختلفة؛ وطن لم يجد وحدته مكتملة على خارطة، وإنما صنعها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، بالعزم والإيمان، حتى توحدت البلاد وأعلنت المملكة العربية السعودية دولة واحدة وراية واحدة في 23 سبتمبر 1932م.

ومن استرداد الرياض عام 1902م، بدأت رحلة لم تكن معركة توحيد فحسب، بل مشروع لبناء دولة حديثة، وترسيخ الأمن، وإنشاء المؤسسات، وتطوير التعليم والصحة والطرق والاتصالات، وفتح أبواب المملكة على العالم.

ثم حمل أبناء المؤسس الراية من بعده؛ الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد، والملك فهد، والملك عبدالله، رحمهم الله، فواصل كل عهد مسيرة البناء، حتى وصلت المملكة إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، الذي دخلت فيه البلاد مرحلة تحول واسعة عنوانها الأبرز رؤية المملكة 2030.

واليوم تبني المملكة اقتصادا أكثر تنوعا؛ توسع الصناعة والتعدين، وتطور الطاقة المتجددة، وتنمي السياحة والاستثمار والخدمات اللوجستية، وتدعم الثقافة والرياضة والترفيه، وتضع التقنية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قلب مسيرتها.

فالسياحة أصبحت قطاعا اقتصاديا متكاملا، والثقافة جسرا يصل الماضي بالحاضر، والتقنية أداة لإدارة الدولة والاقتصاد، والتعليم والصحة استثمارا في الإنسان، فيما يتحول الموقع الجغرافي للمملكة بين ثلاث قارات إلى قوة في التجارة والخدمات اللوجستية.

وفي الرياضة والترفيه، أصبحت المملكة تستضيف الأحداث والبطولات العالمية، وتطور منشآتها، وتبني قطاعات جديدة تتقاطع مع السياحة والاستثمار والصناعات الإبداعية.

لكن خلف كل هذه التحولات يقف أساس لا يمكن أن تقوم التنمية دونه: الأمن والاستقرار.

ففي منطقة شهدت حروبا وأزمات وقلاقل متلاحقة، حافظت المملكة، بحمد الله، على أمنها واستقرارها ومؤسساتها، واستمرت عجلة التنمية والعمل والاستثمار دون توقف.

وهذا الأمن هو ثمرة منظومة متكاملة من مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ووعي المواطن وتكاتف المجتمع، بعد توفيق الله.

ولذلك تمضي المملكة بثقة، حاضرة بثقلها في ملفات الطاقة والاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية، وبمكانة دولية تقوم على الاقتصاد والمشروعات والقدرة على حماية المصالح وصناعة المبادرات.

وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، نستعيد صورة الملك عبدالعزيز وهو يبدأ من الرياض رحلة توحيد البلاد، ونستذكر ملوكا حملوا الراية من بعده، ونرى اليوم جيلا جديدا يقف أمام مرحلة مختلفة من تاريخ المملكة.

من توحيد الأرض إلى بناء الدولة، ومن بناء الدولة إلى تنويع الاقتصاد، ومن تنويع الاقتصاد إلى صناعة المستقبل.

تتغير الأدوات، وتتسارع التحولات، لكن الثابت هو الوطن.

ستة وتسعون عاما من الوحدة والبناء، والمملكة تمضي إلى الأمام بثقة؛ مستندة إلى تاريخها، ومتمسكة بهويتها، ومستثمرة في إنسانها، ومنفتحة على العالم.

فالأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تجعل من الماضي قوة للحاضر، ومن الحاضر جسرا إلى المستقبل.

هذه هي الحكاية السعودية: ملك وحّد البلاد، وملوك واصلوا البناء، وشعب حمل الراية، ودولة تصنع مستقبلها بثقة.

حفظ الله المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها.

وطن عمره 96 عاما.. وطموحه يتقدم دائما على عمره.