لو كان الوطن مجرد أرض نعيش فوقها، فلماذا يستطيع يوم واحد في السنة أن يغير شكل المدن، ويملأ الشوارع بالأعلام، ويجعل ملايين الناس يتحدثون عن المكان نفسه بشعور مختلف؟ لأن الإنسان لا يعيش في المكان فقط، بل ينتمي إليه، وهذا هو المعنى الحقيقي لأي يوم وطني؛ أن تتوقف أمة بأكملها للحظة، لا لتتذكر تاريخا محفوظا في الكتب فحسب، وإنما لتتذكر الحكاية التي جعلت هذا المكان وطنا، في المملكة العربية السعودية، يحمل اليوم الوطني هذه الفكرة بوضوح، فالحكاية لم تبدأ من احتفال، وإنما من رحلة طويلة نحو قيام دولة استطاعت أن تجمع أرضا واسعة تحت راية واحدة، ثم واصلت بناء نفسها جيلا بعد جيل.
لا يمكن الحديث عن هذا اليوم من دون العودة إلى الرجال الذين بدأت على أيديهم الحكاية، فالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لم يرث وطنا مكتمل الملامح، وإنما حمل مشروعا احتاج إلى سنوات طويلة من السعي والتوحيد وبناء الدولة، وإلى جانبه وقف رجال شاركوا في مراحل التأسيس، وتحملوا مشقة البدايات، حتى تحولت فكرة توحيد البلاد إلى واقع تعيشه أجيال من بعدهم، وربما لهذا تحمل المناسبات الوطنية قيمة مختلفة؛ لأنها تذكر الأجيال الجديدة بأن ما يبدو اليوم أمرا طبيعيا ومستقرا، كان في يوم من الأيام حلما يحتاج إلى إرادة وعمل وصبر وتضحيات، نحن نرى وطنا قائما اليوم بكل ما فيه من مدن ومؤسسات وإنجازات، لكن خلف هذه الصورة قصة أناس بدأوا من نقطة لم تكن فيها الأشياء مضمونة كما نراها الآن، ولذلك فإن الاحتفال باليوم الوطني ليس احتفاء بما وصلنا إليه فقط، وإنما احترام لمن وضعوا الخطوة الأولى.
لكن قيمة الحكاية ليست في أن نستعيد تفاصيلها كل عام، وإنما في أن نفهم ما الذي جعلها تستحق أن تستعاد، فالإنسان حين يقول «وطني» لا يقصد حدودا سياسية فقط، بل يقصد المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته، واللغة التي سمع بها أول كلماته، والوجوه التي عرف معها معنى الأسرة، والشوارع التي شهدت بداياته، والأرض التي أصبح له في داخلها معنى لا يمكن شرحه بسهولة، ولهذا لا يكون الاحتفال بالوطن مجرد فرح جماعي، إنه أيضا شعور بأنك جزء من قصة أكبر منك، قد لا تعرف كل الذين عاشوا قبل مئة عام، لكنك تعيش اليوم في نتيجة ما فعلوه، وقد لا تعرف من سيعيش بعدك بعشرات السنين، لكن شيئا مما تفعله اليوم سيصبح جزءا من الحياة التي سيعيشها أولئك الذين لم يولدوا بعد، واليوم جاء جيل آخر لم يكتف بأن يرث ما بناه المؤسسون، بل أراد أن يختبر إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا البناء، وفي قلب هذه المرحلة يقف الأمير الشاب محمد بن سلمان، صاحب الرؤية، الذي ارتبط اسمه بتحول واسع في صورة المملكة وطموحها، وبمشروع لا ينظر إلى السعودية باعتبارها دولة تملك تاريخا عريقا فحسب، وإنما دولة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانا مختلفا في المستقبل.
ومع رؤية 2030، لم تعد الأسئلة تدور فقط حول ما تملكه المملكة، بل حول ما يمكن أن تصبح عليه؛ من اقتصاد أكثر تنوعا، إلى مجتمع أكثر انفتاحا على مجالات جديدة، إلى حضور ثقافي وسياحي واقتصادي يتجاوز الصورة التقليدية للمملكة، وربما هنا تكمن دلالة المرحلة، المؤسسون وضعوا أساس الدولة، والقائد الملهم الأمير محمد بن سلمان يقود فصلا من محاولة إعادة تعريف مدى هذا الوطن وقدرته على الوصول، وهنا يصبح اليوم الوطني أكثر من ذكرى، إنه لحظة نرى فيها الوطن لا بوصفه شيئا ورثناه وانتهى الأمر، وإنما شيء نعيش داخله ونضيف إليه، كل من موقعه، ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي في اليوم الوطني «ماذا قدم لنا الوطن؟» بل السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه هو «ماذا نريد أن نترك نحن لهذا الوطن؟»، لأن الأوطان لا تستمر بالاحتفال بتاريخها فقط، بل تستمر حين يتحول حبها من كلمة تقال في يوم واحد، إلى شيء يظهر في حياة الناس كل يوم، وهذا هو المعنى الأعمق لليوم الوطني السعودي، أن تتذكر من أين بدأت الحكاية، ثم تدرك أن الحكاية لم تنتهِ.
اليوم الوطني السعودي: حين تتكلم الأرض
نيفين عباس3 دقائق للقراءةحجم الخط
