تأتي الذكرى السادسة والتسعون لليوم الوطني السعودي، لتوحيد هذا الوطن العظيم، هذه الدولة التي تمتد جذورها مع تأسيس الدرعية سنة 850هـ/1446م، ثم قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود سنة 1139هـ/1727م، فالدولة السعودية الثانية سنة 1240هـ/1824م، حتى استعاد الملك عبدالعزيز الرياض سنة 1319هـ/1902م، وانطلق منها في مسيرة توحيد امتدت لأكثر من ثلاثين عاما.

وجاء ما صنعه الملك عبدالعزيز امتدادا لذلك الإرث السعودي المتجذر، واكتمالا لمسيرة تاريخية أعادت جمع البلاد في كيان سياسي واحد. ومن يقرأ تاريخ التوحيد بتمعن يدرك أن الملك عبدالعزيز وحّد القلوب قبل أن يوحد الجغرافيا؛ فقد انجذب الناس إليه وإلى مشروعه الوحدوي لما عرفوه فيه من عدل وكرم وقرب من شعبه، ولما مثله من امتداد تاريخي للدولة السعودية، فبادرت مدن ومناطق وقبائل إلى مبايعته والانضمام إليه، وأصبح أبناء البلاد شركاء في مسيرة التوحيد وبناء الدولة.

ومن أبلغ الشواهد على هذا الالتفاف الشعبي قصة اسم المملكة ذاته؛ فقد استشير أعيان البلاد وأفرادها في تغيير اسم الدولة، ووصلت مئات البرقيات والطلبات من أنحاء البلاد تلتمس من الملك عبدالعزيز اعتماد اسم «المملكة العربية السعودية». ثم صدر الأمر الملكي رقم 2716 بتاريخ 17 جمادى الأولى 1351هـ الموافق 18 سبتمبر 1932م، بتحويل اسم الدولة إلى «المملكة العربية السعودية»، وكان الإعلان عن الاسم الجديد وتنفيذه رسميا في 21 جمادى الأولى 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م، وهو اليوم الذي يحتفل به باليوم الوطني للمملكة كل عام.

وهكذا لم تكن الوحدة مجرد جمع للجغرافيا، بل توحيد للسلطة والنظام والقرار والأمن والولاء والانتماء في كيان واحد. لقد وحد الملك عبدالعزيز الجغرافيا والسلطة والنظام والقرار والأمن، ورسخ الانتماء إلى دولة واحدة، وكان أبناء المملكة في مناطقها وقبائلها ومكوناتها شركاء فاعلين في تلك المسيرة.

وكانت الباحة جزءا من هذا الكل، ولؤلؤة في عقد مناطق المملكة وقبائلها؛ فشارك أهلها إخوانهم تحت قيادة قائدهم وموحدهم الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - بالرجال والمال والعتاد. وتذكر الوثائق أن ما قُرر على المنطقة من تمويل «الجهاد السنوي» بلغ 990 مطية، كما ورد في وثيقة سنة 1356هـ/1937م أن القيمة الإجمالية لذلك بلغت قرابة 59,400 ريال فرنسي (تالر ماريا تريزا النمساوي)؛ في شاهد على حضورها وإسهامها الوطني في مسيرة التوحيد وبناء الدولة.

وامتدت مشاركات أبناء المملكة في الدفاع عن دولتهم حتى حرب اليمن سنة 1352-1353هـ/1934م، حين تحركت القوات السعودية على جبهتين؛ جبهة جبلية وشرقية قادها ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز، الملك سعود فيما بعد، وجبهة غربية ساحلية قادها الأمير فيصل بن عبدالعزيز، الملك فيصل فيما بعد، وانتهت الحرب بمعاهدة الطائف سنة 1353هـ/1934م.

ومن يتأمل تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث يرى عبرة لا تخطئها العين؛ تعاقب على عداوة هذه الدولة زعماء وملوك ورؤساء ودول، فمضوا جميعا بين زوال وهزيمة، وتبدلت قواهم وسقطت رهاناتهم، بينما بقيت السعودية؛ تتجدد دولتها، وتتواصل قيادتها، ويزداد حضورها رسوخا في التاريخ.

اندثر الأعداء، وبقيت السعودية؛ ثابتة بدينها وعقيدتها، راسخة بدولتها، قوية بأبنائها ومقدراتها، تحمل الأجيال رايتها وتحفظ حضورها ومكانتها في التاريخ.

واليوم، وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتقاطع فيه المصالح، تمضي المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظهما الله - في مرحلة تشهد توسعا في الشراكات والتحالفات العسكرية والاقتصادية، وتنويعا لمصادر الدخل، وإطلاقا للمشروعات الكبرى، وفتحا لمجالات جديدة للاستثمار والإنتاج، وعناية بمقدرات الوطن والإنسان السعودي.

ومن أبرز صور هذا التوجه في المجال الدفاعي التحالف الذي قادته المملكة في عاصفة الحزم سنة 2015م، ثم اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، الموقعة في مكة المكرمة سنة 1448هـ/2026م، بما يعزز الردع المشترك ويطور أوجه التعاون الدفاعي.

وتكشف هذه السياسات عن قراءة واعية لتجارب التاريخ، واستيعاب لمتطلبات الحاضر، واستشراف لاستحقاقات المستقبل؛ فبناء قوة الدولة في عصرنا يقوم على تكامل السياسة والاقتصاد والدفاع والتنمية والاستثمار في الإنسان.

ولله ثم للتاريخ، وإلى سمو ولي العهد نقول:

ديننا واحد، ووطننا واحد، ومصيرنا واحد، وفي أعناقنا بيعة لخادم الحرمين الشريفين، ولسموكم الكريم، امتدادا لبيعة آبائكم وأسلافكم من آل سعود؛ قادة هذه الدولة التي امتدت مسيرتها التاريخية قرابة ستة قرون.

وهذا ما حمله الآباء والأجداد، وما ينتقل أمانة إلى الأبناء والأحفاد؛ المحافظة على المملكة وسيادتها وأمنها ومقدساتها ومكتسباتها، وأن يؤدي كل مواطن واجبه في بنائها وخدمتها.

ونحن على العهد ماضون وباقون؛ نبذل ما نستطيع من جهد وعمل ومال، رضا لله، وطاعة لولاة الأمر، وذودا عن وطن هو رمز للأمتين العربية والإسلامية، وموئل للتاريخ والإيمان والمقدسات.

ونسأل الله لسموكم التوفيق والعز والتمكين، وأن يسدد خطاكم في خدمة المملكة، وصون مصالحها، وتعزيز مكانتها، ودعم قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وجمع الكلمة، وحماية الضعفاء، وتعزيز قدرة بلادنا على مواجهة ما يحيط بها من تحديات.

وهي كلمة يرددها كل مواطن سعودي، ويشارك في معناها كل منصف في العالمين العربي والإسلامي، يرى في المملكة عمقها التاريخي، ومكانتها الدينية، وثقلها السياسي والاقتصادي، ويقرأ في مسيرتها قدرة دولة على الجمع بين أصالة الجذور واستشراف المستقبل.

وستبقى المملكة ووحدتها - بإذن الله - ما دامت السماء والأرض؛ تحمل رايتها الأجيال، ثابتة على دينها، عزيزة بسيادتها، شامخة بمكانتها.

حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وحفظ ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأيدهما بنصره، وأدام على المملكة عزها وأمنها ووحدتها، وحفظ أرضها وشعبها ومقدساتها (آمين).