علاقة الإنسان بوطنه من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدا؛ فهي تبدأ قبل أن يكون له فيها اختيار، ثم تتعمق مع الزمن حتى تصبح جزءا من وعيه بذاته وانتمائه إلى العالم، ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا نحب الوطن؟

حاول الفلاسفة وعلماء الاجتماع تفسير هذه العلاقة طويلا، حيث رأى إرنست رينان أن الأمة تقوم على ميراث من الذكريات المشتركة وإرادة مواصلة الحياة معا، وذهب بندكت أندرسون إلى أن الأمة جماعة متخيَّلة؛ ملايين لا يعرف بعضهم بعضا، ومع ذلك يسكن في وعيهم شعور عميق بأنهم (نحن) واحدة، أما سيمون فايل فاقتربت أكثر من النفس الإنسانية حين جعلت (التجذر) حاجة من حاجاتها الأساسية، فيما أعاد أنتوني سميث الاعتبار إلى الذاكرة والرموز والمكان في تفسير ذلك الارتباط الذي يجعل الأمة أكبر من مجموع أفرادها.

وربما كان الوطن كل ذلك، وشيئا آخر يصعب على النظريات أن تقوله.
فالوطن يبدأ فينا قبل أن نعرف اسمه.
يبدأ في الطريق الأول الذي عرفناه، وفي صوت الأب، ودعاء الأم، ولهجة الناس، ورائحة البيوت، وأسماء القرى والمدن، والوجوه التي ألفناها، ثم نكبر فنكتشف أن تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن متناثرة كما ظننا؛ كانت وطنا يتكون في داخلنا قطعة قطعة.

ولهذا أحب السعودية...!
أحبها قبل أن أبحث عن أسباب حبي لها، ثم كلما كبرت وجدت للحب أسبابا أخرى.

وحين كبرت، كبر معنى السعودية في داخلي، عرفت أن الأرض التي بدت لي في طفولتي موجودة هكذا منذ الأزل، كانت وراءها حكاية تأسيس طويلة قادها الملك عبدالعزيز، حين وحد أجزاء البلاد وأسس المملكة العربية السعودية، ثم تعاقبت أجيال البناء، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فيما أخذت السعودية في السنوات الأخيرة تتجه بقوة نحو مرحلة جديدة من التحول يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مرحلة اتسعت معها صورة المستقبل في الوعي السعودي، واتسعت معها مساحة ما يستطيع أبناؤها أن يطمحوا إليه.

وهكذا صار في علاقتي بوطني ثلاثة أزمنة تتجاور: ماض أعتز به، وحاضر أعيشه، ومستقبل أتطلع إليه.

فنحن ننتمي أيضا إلى المستقبل الذي نتخيله مع أوطاننا، فحين يحلم طفل سعودي اليوم بالفضاء، أو بالذكاء الاصطناعي، أو بصناعة عالمية، أو بمدينة لم تكتمل بعد، فإن الوطن يعمل في داخله بطريقة أخرى؛ يمنحه مساحة ممكنة لحلمه، وربما تكون إحدى أعمق صور الانتماء أن يستطيع الإنسان أن يرى مستقبله الشخصي داخل مستقبل بلاده.

وأحب في السعودية شيئا أكثر حميمية، أحب ترابها، والتراب هنا ليس استعارة شعرية، إنه وعاء مادي للذاكرة، عليه مشى الذين سبقونا، وفيه بيوتهم وقبورهم وآثار أقدامهم، وعليه نمشي نحن، وسيقف عليه الذين يحملون أسماءنا بعد أن نغيب، قطعة واحدة من الأرض تجمع أزمنة لم تجتمع: الذين رحلوا، والذين يعيشون، والذين سيأتون؛ ولهذا تصبح الأرض أكثر من مساحة جغرافية؛ تصبح امتدادا للإنسان خارج حدود عمره.

وحين أرى سعوديا من أقصى الشمال، وآخر من أقصى الجنوب، ومن الشرق أو الغرب، أعرف أن بيننا أمرا بالغ الغرابة والجمال: قد لا نكون التقينا قط، وقد تختلف لهجاتنا وتفاصيل حياتنا، لكن راية واحدة تستطيع أن تحرك فينا المعنى نفسه، واسم واحد يجعلنا جميعا نقول: بلادنا.
تلك هي العبقرية الخفية للوطن: أن يحول الملايين إلى ضمير جمع اسمه (نحن).
ولهذا يبدو اليوم الوطني عندي أكبر من ذكرى على التقويم، إنه لحظة نستعيد فيها وعينا بشيء يحيط بنا طوال العام حتى نكاد، من فرط حضوره، ننسى عظمته: أن لنا وطنا،

وطنا نستيقظ فيه آمنين، وندرس ونعمل ونبني ونحلم، ثم ننام ونحن نفترض أن صباح الغد سيأتي مستقرا بما يكفي كي نواصل خططنا، أن تخطط لغدك، وأن تفكر في مستقبل أبنائك، وأن تبدأ مشروعا يحتاج سنوات ليكتمل؛ كل ذلك يحمل في أعماقه ثقة بأن هناك وطنا سيبقى غدا لتكتمل فيه الحكاية، ولعل هذه إحدى أثمن الهبات التي تمنحها الأوطان المستقرة لأبنائها: الطمأنينة إلى المستقبل.

لذلك، حين نبحث عن تفسير لحب الوطن، فإننا لا نبحث عن سبب واحد، وإنما عن طبقات تراكمت في الإنسان عبر الزمن: ذاكرة المكان، واللغة، والوجوه الأولى، والتاريخ المشترك، والشعور بالأمان، والصورة التي يرسمها للمستقبل، ومع تراكم هذه الطبقات ينتقل الوطن من كونه مكانا ننتمي إليه إلى جزء من الطريقة التي نعرّف بها أنفسنا.

ولهذا أحب السعودية؛ لأنها حاضرة في ذاكرتي بقدر حضورها في واقعي، وفي تاريخي بقدر حضورها في مستقبلي، وفي أحلام أبنائي كما كانت في حكايات الذين سبقونا، وربما هنا تكمن الإجابة عن السؤال الذي بدأ به المقال: لماذا نحب الوطن؟

لأن الوطن، مع مرور العمر، لا يبقى شيئا نعيش فيه؛ يصبح شيئا يعيش فينا، وعندها تكتسب كلمة (نحن) معناها الأعمق.