فكأن كل فجر ينهض على جبينها يرفع راية خضراء جديدة في السماء.
وأنا أشعر أن كل يوم يمر على صدرنا وعيننا ومشاعرنا وعشقنا سعودية السعد هو عيد يتجدد لهذا الوطن الخير، بنبوت السلام والنهضة.

ليس لأن التقويم يقول ذلك، ولا لأن يوما واحدا من السنة اختير ليكون عنوانا للفرح، وإنما لأن هذه البلاد تثبت واقعا، ويوما بعد يوم، أنها تبحر بوفاء ومعرفة ومعاني خير، وهي تعرف طريقها، وتمضي فيه، مهما ازدحمت حولها الطرق، ومهما تكاثرت المعضلات، وتعقدت أزمات الإقليم، واضطربت علاقات الجوار، وتبدلت موازين القوى بين الشرق والغرب، وبين الدول العظمى والدول الغنية والدول التي تقف في منتصف العاصفة، وتحت خطوطها، تنتظر عيدا وفرحة عين ووحدة.
فالسعودية لا تنتظر العيد... بل تصنعه.

نعم، فمنذ ستة وتسعين عاما، وهذه المملكة الهانئة تكبر، وتجتهد، وتتعلم من غمرة الطريق، وتبني وترتقي بشعبها، الذي أصبح نبراسا ومثلا لمعظم شعوب الأرض.

لقد عرفت السعودية صعوبات البدايات، وعرفت حيرة الحدود، ودخلت الحروب حين كان لا بد من إثبات الواقع وإقرار الحق.

وعرفت كيف تواجه التطرف والإرهاب حين أصبح الإرهاب عدوا للإنسان قبل أن يكون عدوا للدولة، وحاربت الفساد حين ظن الكثير أن الحكايات تمضي دون محاسبة، وخاضت حروبا أخرى لا تُرى في ساحات القتال: حربا على التخلف، وحربا من أجل صحة الإنسان، وتعليمه، ومعاشه، وكرامته، وحياة تليق به.
وهذا هو معنى أن يكون الوطن عيدا... وأن يكون الإنسان فيه هو القصيدة الأولى والأخيرة.

ولعل أجمل ما في حكاية الأعياد اليومية أن الإنسان السعودي ظل يتنفس في قلبها.

وكانت الدولة، من عرش قمتها إلى ثمار مؤسساتها، تنظر إلى المواطن باعتباره غاية لا رقما، وإلى التنمية باعتبارها طريقا لا واجهة، وإلى الأمن باعتباره شرطا للحياة لا مجرد قوة تحرسها، وإلى العلاقات الخارجية على أنها انتقاء للصديق.

ولذلك جاءت المشاريع كثيرة، والمخططات واسعة، بشجاعة وتجريب، وطموحات تعدت حدود اللحظة؛ فكلما ظهرت عثرة، عادت المملكة إليها بالعقل، أصلحت ما يحتاج إلى إصلاح، بحماية القانون، وإغلاق الطرق أمام من يخادع في الداخل والخارج، حماية لأمنها واستقرارها ومسارها.

فالوطن الذي يعرف كيف يصلح نفسه، يعرف أيضا كيف يصنع مستقبله.
ولأن المملكة لم تكن يوما جزيرة معزولة عن عالمها، فقد امتدت أياديها إلى الخارج كما أنعمت على الداخل.

كانت للخليج شقيقة كبرى حانية، وقضية فلسطين قلبها، واليمن عينها، والسودان، ومصر، والأردن، وسوريا، والصومال، وليبيا، والعراق جروحا ترقبها وتداويها، كما تواجدت في كل بقعة أرض احتاجت لحظة إلى صديق لا إلى متفرج.

وهذه هي السعودية التي أعرفها: وطن كلما اشتدت حوله الرياح، ازداد ثباتا؛ وكلما ارتفعت الأصوات، طغى فيها صوت العقل؛ وكلما اقترب الخطر، أحاطته بمنتهى العناية والحكمة والصد.

إنها بلاد الصبر والرضا، لا تبحث عن مكانها بالصخب، بل تصنعه بالثقة.
وطن لا يجعل القوة سببا للمغامرة، بل وسيلة لحماية السلام.
وطن لا يرى في الثراء غاية، بل فرصة لبناء الإنسان.
وطن يعرف أن المجد الحقيقي يكمن في نهضة الإنسان.

وفي يومها الوطني 96، لا أقول: كل عام والسعودية بخير، بل أقول:
كل يوم والسعودية بخير، وكل يوم وهي أكثر أمنا، وأكثر نماء، وأكثر حضورا، وأكثر قدرة على أن تمد أيدي الخير إلى العالم.

فهذه بلاد مميزة بما تمنحه، لا بما تأخذه؛ وبالسلام الذي تصنعه، لا بتكتل ولا مؤامرات ولا خيانات ولا إثارة صراع؛ بل بالخير الذي يظل، مهما حاول البعض أن يطمسه، يباري وضوح الشمس.

shaheralnahari@