عرفتُ مديحة العجروش في بداية التسعينات، أثناء حرب الخليج الثانية وبعد مسيرة قيادة السيارة بقليل. مع أنه كانت هناك معرفة سابقة بأختها، مرفت رحمها الله، التي كانت زميلة أختي هوازن في المدرسة، وطالما قابلتها، لكن لقاء مديحة التالي كان في إطار آخر في ظل الظروف الصعبة التي رافقت غزو العراق للكويت ومن ثم القيادة وما تبعها من حملات قذف وتخوين هزت المجتمع وقسمته إلى عدة أقسام. وقد نال مديحة نصيب كبير من تلك التجربة وخسرت بسببها أرشيف صورها الفنية والنيغاتيف الذي كونته خلال العقدين السابقين.

كانت وتستمر في مخيلتي وكأنها أمامي بابتسامتها العريضة المبهجة وحماسها المستمر للمساعدة، للعمل، للتفكير خارج الصندوق، للنهوض بالمجتمع، للتغيير للأفضل. حملت عدة قبعات وكانت تحب ارتداءها، كانت هناك قبعة المحللة النفسية التي تتعمق في النفس الإنسانية وتخرج الكوامن حتى توصلها إلى بر الأمان، وهناك قبعة فنانة التصوير المحترفة، التي قدمت الفنانة السعودية في صيغة مختلفة ومبدعة، كانت أول امرأة سعودية تخوض هذا المجال فتعتبر رائدة التصوير الفوتوغرافي بين السعوديات.

كنت محظوظة بأن ألتحق بدورة تصوير تقدمها مديحة في شركة "أطلس للتطوير" التي كانت تعد ثاني شركة نسائية تأسست في تلك الفترة بداية أزمة الخليج، تهتم بشؤون المرأة والطفل، وتقدم دورات تدريبية في مجال الكومبيوتر واللغة الإنجليزية والدورات الفنية والتي كانت منها دورة التصوير تلك. أذكر أن فتحت لي باب تجربتي الأولى لاكتشاف جمال الطبيعة فجرا، والتي كانت إحدى مهامنا التطبيقية، وجعلت موقعها الدرعية القديمة، وكانت آنذاك خارج النطاق العمراني للرياض لكن مديحة قد اكتشفت سر جمالها وصورت فيها مجموعتها الفنية الأولى. كان ذلك عام 1991 وجدران طريف كانت في وضعها الأولي، ثم إذ بي أكتشف كم كانت الأطلال بديعة وهي تخرج من حنيّات ظلال شمس الشروق وفيما بعد من ثنيات سلايدات الصور ومديحة تعرضها في الفصل على جهاز العرض. بقيت تلك الذكريات حية كلما مررت بالدرعية على الدراجة أو بدأت فعالية فجرية أو تناولت كاميرا من كاميرات الرعيل الأول المحترف وحاولت معاودة الكرة.

وهناك قبعة الإنسانة المهمومة بالمجتمع وقضايا المرأة، لا سيما المعنفة فكانت تسعى جاهدة لإعلاء صوتها وحقها وأمانها وتاريخها أيضا، فتظهر في معارضها الفنية كمعرض "ومضات وظلال، وعلى السطح" وأعمال كتبها التوثيقية ومقالاتها الثرية.

واستمرت علاقتي بمديحة عبر السنوات أتابع إنجازاتها وحصولها على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا بنيويورك في علم النفس التحليلي، حيث كانت ترافقها ابنتها نورة تستكشف معها طرقا جديدة في التعاطي مع صعوبة حركتها التي اكتشفتها مبكرا، وألحقتها بعد عودتها للمملكة بتأسيسها لجمعية من جمعيات المجتمع المدني باسم "أمهات الرياض" تجتمع من خلالها أمهات أطفال ذوي الهمم للتشارك في تربيتهم وفق أحدث الوسائل. وكانت مديحة من أوائل الصديقات اللاتي استضفنني في بيتها بالحي الدبلوماسي لأقدم محاضرة عن المرأة النبطية في الجزيرة العربية، وقد كنت للتو عائدة من بريطانيا بدرجة الدكتوراه حول هذا الموضوع، فدعت لي بالدرجة الأولى الشابات من بنات الصديقات ممن كانت ترى أنهن بحاجة للتعرف على تاريخ بلادهن ودور نسائهن فيها، فهذا كان هاجسها الذي كانت تحاول تحقيقه بكل الوسائل.

تقاطعت بعد ذلك طرقنا ونحن نهتم بقضايا مشتركة اجتماعية ونسائية عبر الثلاثة عقود الماضية، منها ما كان في الرياض وإحداها في لبنان. أذكر ونحن في مطار الرياض ننتظر عند الجوازات وتقف هي أمام موظف الجوازات الذي يسألها عن ورقة السماح بالسفر وتقول له ليس هناك ورقة سماح لمن بلغت الخمسين، واليوم بلغتُ الخمسين عاما. فابتسم وقال لها: ما زلت تحتاجين للورقة. وظلت تحاججه فترة طويلة، ولا سيما أن هناك سابقة لإحدى السيدات التي عبرت عبر جسر الملك فهد إلى البحرين دون الورقة لبلوغها هذا السن. فقال: ربما وضع الشرقية مختلف لكن هنا في الرياض لا يمكنك السفر دون ورقة السماح بالسفر من ولي أمرك. فاضطرت وهي مصابة بخيبة أمل أن تخرج ورقة السماح بالسفر العتيدة وتسلمه إياها، ثم لحقتُها بعد ذلك بورقتي أنا أيضا. قلت لها: لقد حاولتِ، ثم أعدتُ الكرة لما بلغت أنا أيضا الخمسين، محاولة أخرى.

يحسب لمديحة وهي تعتمر القبعة الثانية أنها كانت مهتمة بتصوير التراث المتعلق بالمرأة، لا سيما إذا ارتبط بالتوثيق تصويرا، فقامت بمشروع كتاب "بلاد عسير: المنطقة الجنوبية الغربية من المملكة العربية السعودية" بالشراكة مع كل من صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبدالرحمن، والسيدة الجوهرة محمد بن عبدالعزيز العنقري لتصوير المرأة العسيرية في مختلف القرى والمدن، وتوثيق العادات والتقاليد في حلة غير مألوفة تبرز فيها الحياة اليومية للمرأة. فأظهرت جمال الفن العسيري والقط والملابس والحلي والأطعمة وألبسة الرأس والخصر والأصابع، وأصبح من أهم الكتب التي يطلق عليها اسم "كتب طاولات القهوة" والذي سطرته وصورته نساء سعوديات حول المرأة السعودية في فترة مبكرة، حيث إنه طبع عام 1989. لكن الكتاب الفريد الذي وضعت فيه ذروة فنها وفكرها وتوقها لتأريخ المرأة منذ القدم، فقد كان كتاب "إلى السطح، صور فنون صخرية للمرأة في المملكة العربية السعودية" مرة أخرى مع نساء وبمنظور نساء، كان مع د. مها السنان وسهام المطوع عام 2016. وهو كتاب استغرقها عامين كاملين من التحضير له والرحلات المستمرة إلى صحارى المملكة في منطقتي جُبّة في حائل وبئر حمى في نجران، لتتبع تصوير النساء على الصخور بين شمال وجنوب المملكة. فكان فنا نسويا، كما كتبت مها السنان: أنه نتاج عملين فنيين، القديم والحديث لمصورة ضوئية معاصرة، وكلاهما عملان إبداعيان. كان مشروعا عزيزا على قلبها وخاضت لأجله تحديات كثيرة حتى خرج في حلته الفنية ككتاب ومعرض فيما بعد. وهي انطلقت باكتشافاتها لما نُحت على الصخور وصفحات الجبال، تصور نهارا وليلا، تحت السماء والنجوم وتحت القمر. تتحقق من انعكاس كل ظل على كل خط لخصلة شعر أو طرف إصبع أو تتحقق من معالم جسد النساء، التي لا ندري إن كانت تجسيدا لنساء حقيقيات أو متخيلات أو لمعبودات أو ملكات، لكن المنتج كان بديعا عرضت لوحاته الضخمة في معرض فني في الرياض وبقية اللوحات ضمها كتابها الذي طرحت فيه شيئا من رؤيتها الخاصة لعلاقتها بنساء العصور الحجرية وما تعنيه إيماءاتهن أو التفاتاتهن، دون أن تقول الكثير وتترك الصور لتتحدث عن نفسها بنفسها.

في الزمن الذي كان العمل النسوي محدودا ومقيدا، كانت تشارك في كل عمل تطوعي ممكن أو غير ممكن، لكن على شكل مؤسساتي، محاولة مع صديقاتها مثيلاتها في الحماسة والرغبة في الإصلاح، تأسيس نواة لمجتمع مدني، فمن أمهات الرياض إلى برنامج يعنى بحماية المرأة والطفل من العنف والإيذاء، والذي تحول بعد ذلك إلى برنامج الأمان الأسري وترأسته صاحبة السمو الملكي الأميرة عادلة بنت عبدالله، إلى المشاركة في تأسيس جمعية "سند" لدعم الأطفال المرضى بالسرطان، إلى المشاركة في تأسيس مركز إيواء للنساء المعنفات في بريدة كمستشارة في الجمعية، وتعمل على تقديم الخدمات النفسية في (دار عون للاستضافة) والتي تتبع لجمعية الملك عبدالعزيز الخيرية النسائية ببريدة.

لفّت مديحة المملكة، برها وبحرها، كانت تعيد إنتاج نفسها كل يوم، وعندما ملت من السفر وحدها نظمت رحلات دعت إليها صديقاتها من كل مكان وأخذتهن في رحلات نادرة داخل المملكة لم يكن لهن قبل بها من قبل. ولم تكتف بالبر بل انتقلت إلى البحر وأخذت دروسا في الغوص وحصلت على شهادتها حتى تتحول إلى التصوير تحت الماء، وأنتجت لوحات أخرى في جمال مرجان البحر الأحمر وكائناته الخلابة، تستكشف جمال الوطن وتشاركه مع العالم.

في عام 2020 أنشأت موقعا الكترونيا لعيادتها النفسية، وقد حولت عيادتها إلى أونلاين لتستقبل العميلات والعملاء من أنحاء العالم بالإضافة إلى السعودية. ويحمل موقعها مجموعة من الورش المتخصصة، لكن لعل أهم ما فيها هي مجموعة المقالات الثرية في تخصصها النفسي التي كتبتها ووضعتها متاحة للقارئة والقارئ في مختلف القضايا النفسية والاجتماعية.

ومع شغفها بالوصول إلى الناس والعطاء والمساعدة، تحولت مديحة إلى وسائل السوشال ميديا الحديثة وأنشأت لقاءات أسبوعية أسمتها "وقت القهوة مع مديحة Coffee Time with Madeha" على انستغرام تتحدث في كل منها حول موضوع نفسي يهم كل امرأة وكل أسرة بشكل جذاب بسيط وعميق وقصير في الوقت نفسه.

تقول في كتاب "السادس من نوفمبر" (2013) إن هدفها هو "التعبير عن صورة المرأة في داخلي من خلال فن التصوير الذي أعتبره عملية اجتماعية متواصلة".

كانت مديحة شعلة من الحياة والحيوية والبهجة التي تنشرها حولها حيثما تذهب وبمن تلتقي. كانت شجاعة في المواجهة، مقدامة في الحق، وعصية على الاستسلام.

رحمك الله يا مديحة العجروش وأسكنك فسيح جناته وصبّر ابنتيك سارة ونورة وزوجك ورفيق دربك الدكتور حمد العجروش، وأحبابك في كل مكان، على هذا الفراق الغادر.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.