ليس صحيحًا أن الإنسان يرحل حين يغادرنا جسده، فهنالك أشخاص يغادرون المكان، لكنهم يتركون فيه شيئًا لا يغادر.
يبقون في تفاصيل الأيام، وفي طريقة حديثنا، وفي المواقف التي نعود فيها إلى ما تعلمناه منهم، وكأن حضورهم انتقل من العين إلى الذاكرة، ومن التأثر إلى اختلاج السلوك.
وهكذا أشعر اليوم تجاه أخي الراحل ضاحي رحمه الله.
فلم يعد بيننا بجسده وصوته وخطواته، لكنه ما زال حاضرًا في أحاديثنا، وفي ذكرياتنا، وفي ذلك الاستحضار العفوي الذي يجعلنا نتحدث معه أحيانًا وكأنه لا يزال يجلس بيننا.
وبعفوية نستعيد كلماته ومواقفه، ونحاول أن نقطف من الذاكرة كل كلمة وكل موقف، وثمرة، وكأننا بهذا الاسترجاع نستعيد شيئًا من وجوده.
كان في ضاحي شيء يصعب نسيانه؛ هدوء عميق في مواجهة الأحداث، وقدرة نادرة على تقبل التغيرات دون أن تأخذه إلى الغضب أو الحدة.
لم يكن يبادر بإطلاق الأحكام، ولا يتعجل في اتخاذ القرارات.
وكان من أجمل ما فيه أنه لا يرى التراجع عن الرأي نقصًا؛ فإذا سمع رأيًا أفضل من رأيه، تبعه بأريحية وقناعة وصفاء داخلي، كون الحقيقة عنده أهم من الانتصار لرأيه.
وربما كانت هذه الصفة امتدادًا لشيء أعمق في شخصيته: أنه لم يكن يريد أن يجرح أحدًا.
كان يبحث دائمًا عن الجهة الجميلة في الإنسان، ويمنحه الأعذار قبل أن يمنحه الأحكام.
وكان يستطيع أن يتجاوز عن بعض ما يؤلم، وأن يداري بعض ما يعرف، وألا يفتح في الماضي جرحًا يعرف أن كلمة واحدة قد تعيد نزفه.
لم يكن ذلك ضعفًا، بل كان نوعًا من القوة الهادئة؛ قوة الإنسان الذي يستطيع أن يرى عيوب الآخرين، لكنه يختار ألا يحولها إلى سلاح ضدهم.
كان ضاحي قائدًا عسكريًا ومهندسًا، وهذه صفات تصنع في صاحبها الحزم والانضباط لتجشم المسؤولية، لكنه لم يسمح لهذه الصفات أن تفصله عن الإنسان.
ظل قريبًا من الناس، سهل المعشر، طيب الروح، مستعدًا للوقوف إلى جانب محتاج، لمساعدة مادية أو نفسية أو معنوية، أو حتى إلى كلمة تشعره بأنه ليس وحده.
ولعل هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه بيننا.
لقد ترك لنا نموذجًا يقول إن القيادة لا تحتاج إلى قسوة، وإن القوة يمكن أن تكون ناعمة، وإن الإنسان يستطيع أن يكون حازمًا، بلطف.
ولهذا، حين نذكر ضاحي، لا نشعر أننا نستعيد من رحل، بقدر ما نستعيد إنسانًا ما زالت صفاته تتحرك بيننا.
نبحث عنه في شرود دمعة عين، في هواتفنا، ثم نتذكر أنه لن يجيب.
نبحث عنه في ملامح من نتحدث معهم، بموقف يشبه موقف له، وكلمة كان سيقولها لو كان حاضرًا.
وربما هنا يكمن سر بعض الذين نحبهم: فحين يرحلون لا يتركون فراغًا وعدم، بل يتركون أنفسهم موزعة حولنا.
يغيبون عن مقاعدهم، لكنهم يجلسون على كراسي ذاكرتنا؛ يغيب صوتهم، ويبقى صدى كلماتهم؛ ويغيب حضورهم عن أعيننا، ثم نكتشف أنهم أصبحوا أكثر حضورًا في حياتنا عن ذي قبل.
لقد انتقل ضاحي من مكان كنا نراه فيه، إلى أماكن كثيرة صرنا نلمحه فيها، ونشعر بعطره بين أنفاسنا.