في مثل هذا الوقت قبل خمسة وعشرين عاما، استيقظ العالم على صباح بدا وكأنه يطوي صفحة من التاريخ ويفتح أخرى جديدة.

ما زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح؛ كنت عائدا من الجامعة، وجلست أتابع نشرة أخبار الجزيرة، ظهرت منتهى الرمحي وهي تعلن خبر اصطدام طائرة ببرج التجارة العالمي، في مشهد بدا حادثا عرضيا لا أكثر، لكن مع اصطدام الطائرة الثانية، ثم الثالثة في مبنى البنتاغون، وسقوط الرابعة، بدأنا ندرك أن ما يحدث ليس مجرد حادث، بل هجوم إرهابي واسع، وأن العالم يقف أمام حدث جلل سيغير مساره لعقود طويلة.

لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر مجرد هجوم على الولايات المتحدة، بل كانت لحظة زلزالية أعادت تشكيل الوعي العالمي، ودفعت الدول إلى إعادة النظر في أمنها وسياساتها واقتصاداتها. وكلما عدت إلى تلك اللحظة، أشعر أن العالم الذي نعيشه اليوم - بكل توتراته وتحالفاته ومخاوفه - هو امتداد مباشر لذلك اليوم الذي انقسم فيه التاريخ إلى ما قبل وما بعد.

بعد سبتمبر، لم يعد الأمن القومي مجرد ملف ضمن ملفات الدولة الأمريكية، بل تحول إلى عقيدة مركزية تبنى عليها السياسات والقرارات. تأسست وزارة الأمن الداخلي، وتوسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات عبر قانون "باتريوت"، وتغيرت قواعد السفر والطيران عالميا، بدا وكأن الولايات المتحدة تعيد بناء نفسها من الداخل، دولة أكثر حذرا، وأكثر مراقبة، وأكثر استعدادا لأسوأ الاحتمالات.

هذه التحولات لم تكن تقنية فقط، بل نفسية أيضا؛ فقد تغير شعور الأمريكيين تجاه العالم، وتحول الخوف إلى عنصر مؤثر في تشكيل الرأي العام والانتخابات والسياسات الداخلية.

دفعت أحداث سبتمبر واشنطن إلى تبني نهج جديد يقوم على التدخل الوقائي بدل الردع التقليدي.

بدأت الحرب في أفغانستان، ثم غزو العراق، وتوسعت القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وبالنسبة للمنطقة العربية، كانت تلك السنوات مرحلة إعادة تشكيل عميقة؛ إذ تغيرت التحالفات، وارتفعت أهمية التعاون الأمني، وبرزت السعودية كشريك محوري في مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار الإقليمي.

لقد ولّدت تلك التدخلات عالما جديدا، عالما تتداخل فيه السياسة بالقوة، والدبلوماسية بالأمن، والقرارات العسكرية بالاقتصاد العالمي.

لم يكن الاقتصاد الأمريكي بمنأى عن التحولات؛ فقد صعد ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الأمن". ارتفع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، وازدهرت الصناعات الدفاعية، وتغير سلوك الأسواق العالمية. أصبحت المخاطر الجيوسياسية جزءا من القرارات الاستثمارية، وارتفعت كلفة التأمين، وتحولت شركات التكنولوجيا إلى أدوات أمنية بقدر ما هي اقتصادية.

لقد أعاد سبتمبر تعريف العلاقة بين المال والسياسة، وجعل الاقتصاد العالمي أكثر حساسية تجاه الأحداث الأمنية.

على المستوى الداخلي، أدت أحداث سبتمبر إلى تفاقم الانقسام السياسي في الولايات المتحدة. تزايد الجدل حول الهجرة والحقوق المدنية، وصعدت الشعبوية، وتحول الخطاب السياسي إلى خطاب أكثر حدة. أصبح الأمن جزءا من الهوية السياسية، وأصبحت المخاوف عنصرا مؤثرا في تشكيل المزاج العام. هذا الانقسام لم يكن عابرا؛ بل أصبح جزءا من المشهد الأمريكي الذي ينعكس على الانتخابات والسياسات العامة حتى اليوم.

لم تتغير الولايات المتحدة وحدها؛ بل تغير العالم بأسره. توسع التعاون الأمني الدولي، وتغير مفهوم السيادة مع توسع التدخلات تحت شعار مكافحة الإرهاب، وصعدت قوى إقليمية جديدة، وتحولت أولويات الدول من التنمية إلى الأمن، ومن العولمة إلى الحماية. لقد ولّد سبتمبر نظاما دوليا جديدا، أكثر تعقيدا، وأكثر حساسية، وأكثر ارتباطا بالمخاطر.

بعد مرور خمسة وعشرين عاما، يبدو أن أحداث سبتمبر لم تكن مجرد فصل في التاريخ، بل كانت بداية قصة جديدة ما زالت فصولها تكتب حتى اليوم. لقد أعادت تلك اللحظة تشكيل السياسة الأمريكية، والاقتصاد العالمي، والتحالفات الدولية، وحتى نظرة الشعوب إلى العالم. وربما كان الدرس الأهم أن العالم، مهما بدا مستقرا، يمكن أن يتغير في لحظة واحدة... لحظة تعيد تعريف كل شيء.