اليُتم الرمزي
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
يرتبط اليُتم في معناه المعروف بفقد الوالدين وما يصاحب ذلك من فقد للرعاية والسند، غير أن الإنسان قد يعيش نوعا آخر من الفقد مع بقاء الأشخاص من حوله، فقد يعيش الابن مع والديه، ويحصل على احتياجاته المادية كاملة، لكنه يفتقد الحوار والاحتواء والشعور بأن هناك من يصغي إليه، وقد يكون للإنسان أصدقاء كثيرون، ثم يكتشف في لحظة أزمة أنه لا يجد شخصا يستطيع أن يتحدث إليه بثقة، هنا يبقى الأشخاص، بينما يغيب شيء من الوظيفة الإنسانية التي يفترض أن تؤديها العلاقة.
وقد تبلورت هذه الفكرة في حلقة نقاش علمية جمعتني بصديقي العزيز لافي الغامدي، حين قادنا الحوار إلى التمييز بين وجود العلاقة وبين أثرها في حياة الإنسان، فوجود الأب، مثلا، حقيقة أسرية، بينما الأبوة أوسع من الوجود؛ لأنها تتضمن الرعاية والتوجيه والأمان، ووجود المعلم في الفصل حقيقة تعليمية، بينما قيمة التعليم تظهر في قدرته على الفهم والتوجيه واكتشاف قدرات المتعلم، ومن هذه المسافة بين وجود العلاقة وأداء وظيفتها يمكن فهم ما أسميه (اليُتم الرمزي).
ويتقاطع هذا المفهوم مع موضوعات معروفة في علم النفس والاجتماع، مثل الحرمان العاطفي، والحاجة إلى الانتماء، وضعف الدعم الاجتماعي؛ إلا أن اليتم الرمزي يركز على حالة محددة: أن تكون العلاقة موجودة، فيما يتراجع المعنى المتوقع منها، فالزوجان قد يعيشان في منزل واحد، ويديران شؤون الأسرة بكفاءة، بينما تتراجع بينهما المشاركة الوجدانية، والموظف قد ينتمي سنوات إلى مؤسسة كبيرة، لكنه لا يشعر بالتقدير أو الاعتراف، وفي الحالتين تظل العلاقة قائمة، فيما يضعف جانب من أثرها النفسي والاجتماعي.
وتزداد صعوبة هذا النوع من الحرمان لأنه غير ظاهر في كثير من الأحيان، فالطفل الذي يفتقد الطعام أو التعليم يمكن ملاحظة حاجته، أما الطفل الذي يفتقد الإصغاء فقد يبدو طبيعيا تماما، وكذلك الشخص الذي يعيش وحيدا يمكن التعرف إلى عزلته بسهولة، بينما قد يشعر آخر بالوحدة وهو محاط بأسرته وأصدقائه وزملائه، ولذلك يرتبط اليتم الرمزي بنوعية العلاقة أكثر من ارتباطه بعدد العلاقات الموجودة في حياة الإنسان.
وفي العصر الرقمي أصبحت هذه المسألة أكثر وضوحا؛ فالشخص قد يمتلك آلاف المتابعين، ويتلقى عشرات الرسائل والتعليقات يوميا، ويظل عاجزا عن العثور على شخص واحد يشاركه خوفا حقيقيا أو أزمة شخصية، لقد زادت التقنية فرص الاتصال بدرجة هائلة، بينما بقيت حاجات الإنسان الأساسية إلى الثقة والاهتمام والانتماء مرتبطة بجودة العلاقة وعمقها، ومن هنا يمكن فهم اجتماع الحضور الاجتماعي الكثيف مع الشعور بالوحدة.
كما أن أثر اليتم الرمزي قد يمتد من علاقة إلى أخرى، فالإنسان يتعلم التعبير عن مشاعره من البيئة التي نشأ فيها؛ ومن تربى في أسرة قليلة الحوار قد يحب أبناءه بصدق، لكنه يجد صعوبة في التعبير عن ذلك الحب، وقد يكرر معهم، من غير قصد، النمط نفسه الذي عاشه سابقا، وهكذا تنتقل بعض أشكال الحرمان عبر السلوك اليومي، حتى مع وجود نيات طيبة ومشاعر صادقة.
ويمنحنا مفهوم اليتم الرمزي طريقة مختلفة للنظر إلى العلاقات الإنسانية؛ فقيمتها تتحدد بما تمنحه للإنسان من أمان واعتراف واحتواء وانتماء، وقد يكون أكثر ما يحتاجه الإنسان أحيانا موجودا حوله في صورته، وغائبا عنه في أثره؛ وهذه المسافة الدقيقة بين الحضور والأثر هي المساحة التي يبدأ عندها اليتم الرمزي.
