في رحاب المسجد الحرام، حيث تتجلى معاني الخشوع والسكينة، يقف الملتزم أحد المواضع المباركة في الكعبة المشرفة شاهدا على مشاهد إيمانية مؤثرة تتجدد على مدار العام، ويتضاعف حضورها خلال مواسم الحج والعمرة، إذ يتوافد إليه ضيوف الرحمن متضرعين إلى الله تعالى، راجين رحمته ومغفرته، ومستشعرين عظمة المكان وقدسيته.

ويعد الملتزم من أبرز المواضع التي يقصدها المسلمون للدعاء والابتهال، لما ورد فيه من آثار عن الصحابة - رضي الله عنهم -، إذ يقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة، ويكتسب مكانة خاصة في نفوس قاصدي البيت العتيق لما يمثله من ارتباط بسنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام.

الملتزم هو موضع الالتزام من الكعبة المشرفة فيما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وسمي بهذا الاسم لأن الناس يلزمونه ويدعون الله عنده، ووردت الآثار الصحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم في تحديد موضعه، إذ قال عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما -: «هذا الملتزم بين الركن والباب»، كما روى مجاهد أنه قال: (جئت ابن عباس وهو يتعوذ بين الركن والباب).

ومما يسن فعله للطائف - إن تيسر له ذلك - الوقوف عند الملتزم للدعاء، فيضع خده ويبسط يديه ويلصق وجهه وصدره بهذا الموضع من البيت ويدعو بما تيسر له من خيري الدنيا والآخرة.

وروى أبو داود وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه أنه قال: (طفت مع عبدالله، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله).

وحسن عدد من أهل العلم هذا الحديث بمجموع طرقه وشواهده، كما ثبت ذلك موقوفا على بعض الصحابة - رضي الله عنهم -؛ مما يدل على مشروعية الالتزام والدعاء في هذا الموضع المبارك.

وأكد عدد من أهل العلم هذه المشروعية، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، الذي أوضح أن للمسلم أن يأتي الملتزم فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو الله تعالى ويسأله حاجته، سواء كان ذلك عند الوداع أو في غيره من الأوقات، مبينا أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يفعلون ذلك عند دخولهم مكة المكرمة.

ويجسد الملتزم أحد المعالم الإيمانية المرتبطة بالكعبة المشرفة، حيث تتعانق عنده مشاعر الرجاء والخشوع، وتتجلى صور التضرع والدعاء في مشهد روحاني يعكس عمق ارتباط المسلمين ببيت الله الحرام، وحرصهم على اغتنام المواطن الفاضلة التي ترجى فيها إجابة الدعاء، في ظل منظومة متكاملة من الخدمات والتنظيم، التي تيسر لقاصدي المسجد الحرام أداء عباداتهم بكل يسر وطمأنينة.