قد يبدو أن أفضل وقت للحصول على تمويل لشركة ذكاء اصطناعي هو الآن، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.

فرغم التدفق الضخم لرأس المال إلى هذا القطاع، أصبحت المنافسة على اهتمام المستثمرين أقوى. ومع وجود عدد أكبر من الشركات والخيارات أمام المستثمر، لم يعد السؤال فقط: من لديه أفضل منتج؟ بل أصبح: هل تمتلك الشركة الأساس المالي والإداري الذي يسمح لها بتحويل هذا المنتج إلى نمو مستدام؟

والمقصود بشركات الذكاء الاصطناعي هنا هي الشركات التي يشكل الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من منتجها أو تقنيتها أو نموذج أعمالها؛ مثل الشركات التي تطور حلولا للذكاء الاصطناعي، أو تبني منتجات تعتمد عليه في مجالات مثل البرمجيات، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، والتسويق وغيرها

في الربع الأول من عام 2026، وصل تمويل الشركات الناشئة عالميا إلى نحو 300 مليار دولار، استحوذت شركات الذكاء الاصطناعي على نحو 242 مليار دولار منه. وهذا يعني أن الأموال موجودة بالفعل، لكن المنافسة على جذبها أصبحت أقوى.

فما الذي يبحث عنه المستثمر اليوم؟

هناك ثلاثة جوانب رئيسية تحظى باهتمام المستثمرين عند تقييم شركات الذكاء الاصطناعي.

1 - هل نموذج الإيرادات واضح؟

لا يريد المستثمر أن يسمع فقط «لدينا منتج رائع وسيحقق ملايين الدولارات». بل يريد أن يفهم كيف يتحول هذا المنتج إلى عمل تجاري مستدام.

لذلك يهتم بأسئلة مثل:

- كيف تحقق الشركة إيراداتها؟

- ماذا يدفع العميل مقابل الحصول عليه؟

- هل نموذج التسعير واضح؟

- هل يمكن توسيع النموذج مع زيادة عدد العملاء؟

وهنا تظهر نقطة مهمة: هل تتحسن الهوامش مع النمو؟

قد ترتفع إيرادات الشركة بنسبة 300%، لكن المستثمر يريد أن يعرف: هل أصبحت الشركة أكثر كفاءة وربحية مع هذا النمو؟

وهذا مهم خصوصا لشركات الذكاء الاصطناعي، التي تتحمل تكاليف مثل الحوسبة والبنية التحتية السحابية ومعالجة البيانات.

فقد ترتفع الإيرادات من مليون إلى 10 ملايين دولار، بينما ترتفع التكاليف من 800 ألف إلى 8 ملايين دولار. هنا كبرت الشركة، لكن اقتصادياتها لم تتحسن فعليا. لذلك، يبحث المستثمر عن شركة تصبح أكثر كفاءة كلما توسعت، وليس فقط أكبر حجما.

2 - هل العملاء الحاليون يزداد إنفاقهم؟

من المؤشرات المهمة التي ينظر إليها المستثمرون أيضا صافي معدل الاحتفاظ بالإيرادات (Net Revenue Retention – NRR).

وببساطة، يقيس هذا المؤشر ما إذا كان العملاء الحاليون يستمرون مع الشركة فقط، أم يزيدون إنفاقهم عليها بمرور الوقت.

فإذا كانت مجموعة من العملاء تحقق 100 ألف دولار للشركة، ثم أصبحت تحقق 120 ألف دولار بعد عام، دون احتساب أي عملاء جدد، فإن الـNRR يبلغ 120%.

ويعد ذلك مؤشرا مهما؛ لأنه يعكس قدرة الشركة على الاحتفاظ بعملائها الحاليين وزيادة القيمة التي تحصل عليها منهم.

3 - هل تمتلك الشركة حوكمة قبل أن تحتاج إليها؟

قد يؤجل بعض المؤسسين بناء الأنظمة المالية والإدارية إلى أن تكبر الشركة أو تحصل على استثمار جديد.

لكن الأفضل أن تكون هذه الأسس موجودة قبل أن يطلبها المستثمر.

يجب أن تمتلك الإدارة صورة واضحة عن السيولة، والإنفاق الشهري، والـCash Runway، ومصادر الإيرادات، والتوقعات المالية.

ولا تعني الحوكمة بالضرورة وجود قسم مالي ضخم، وإنما وجود نظام واضح للمعلومات المالية والرقابة واتخاذ القرارات.

تقدم Builder.ai مثالا على أهمية هذه النقطة. وهي شركة تكنولوجيا عملت في مجال بناء التطبيقات والبرمجيات باستخدام الذكاء الاصطناعي، ووصلت إلى تقييم تجاوز مليار دولار، وحصلت على دعم من شركات مثل Microsoft وSoftBank.

فقد عملت الشركة دون مدير مالي (CFO) منذ يوليو 2023، ضمن قصة أوسع ارتبطت بقضايا تتعلق بالرقابة المالية وجودة التقارير، إلى جانب أسباب أخرى لانهيارها.

والمغزى هنا ليس أن غياب المدير المالي وحده تسبب في الانهيار، وإنما أن:

النمو السريع والتكنولوجيا القوية والتقييم المرتفع لا تغني عن وجود رقابة مالية وإدارية سليمة.

في النهاية وفي سوق تتوافر فيه الأموال وتشتد فيه المنافسة، القيمة الحقيقية تظهر عندما تستطيع تحويل التكنولوجيا إلى نموذج أعمال واضح وقابل للاستمرار.