بعد مبادرة «كلية جدارة»... من يدفع ثمن الكلام؟
فهيد العديم3 دقائق للقراءةحجم الخط
أعتقد اعتقادا يلامس حدود اليقين أن «الخدمة المجتمعية» من أكثر الشعارات استهلاكا في خطاب القطاع الخاص؛ حتى يخيل إليك أن بعض الجهات تخدم المجتمع طوال ساعات العمل، ثم تتفرغ لنشاطها التجاري في أوقات الفراغ! مبادرات براقة، وعناوين كبيرة، وصور تذكارية يتزاحم فيها المسؤولون، بينما يحتاج المستفيد إلى عدسة مكبرة كي نعثر عليه، هذا إذا كان مدعوا أصلا إلى الحفل!
ولست ضد أن تعلن المؤسسة ما تقدمه، أو أن تكسب سمعة حسنة مقابل عمل حسن؛ فمن حقها أن تقول: فعلنا، لكن المشكلة حين تصبح «قلنا» هي الفعل كله، وحين تصمم المبادرة لتناسب مساحة المنشور أكثر مما تناسب حاجة الناس، فعندها تتحول الخدمة المجتمعية إلى خدمة إعلامية للمؤسسة، ويتولى المجتمع، مشكورا، دور الخلفية في الصورة!
في حفل تدشين انطلاقة كلية جدارة الأهلية بحفر الباطن، سئل المشرف العام على الكلية، الدكتور سعود اللغيصم، عن الرسوم الدراسية، وكان جوابه أن الهدف تمكين الشباب من التعليم، وأن من تثبت جديته في الدراسة، ولا يملك الرسوم، ستتاح له الدراسة مجانا. كلام كبير، ومن الطبيعي أن يستقبله بعض الناس بحذر؛ فقد دربتهم التجارب على أن المسافة بين المنصة ومكتب التنفيذ قد تكون أطول من المسافة بين مدينتين!
ولا أخفي أن هناك من وضع التصريح سريعا في درج «الشو» المعتاد؛ ذلك الدرج الذي نحفظ فيه الوعود الجميلة إلى جوار صور توقيع الاتفاقيات التي لا نعرف ماذا حدث لها بعد أن جف الحبر، غير أن الكلية، مع انطلاق الفصل الدراسي، أعلنت 10 منح دراسية مجانية لـ10 طلاب وطالبات من المستحقين، وفق المعايير المعلنة، وهنا صار للوعد رقم، وصارت خلف الرقم فرصة تعليم.
فالطالب الذي ترفع عنه كلفة الدراسة لا يتعامل مع المنحة بوصفها رقما صغيرا في خبر؛ إنها فرصة قد تغير مساره، ولجدارة والقائمين عليها أن يحسب لهم أنهم منحوا الناس سببا لمراجعة شكوكهم؛ فإعادة شيء من الثقة إلى الوعود المجتمعية مكسب يتجاوز عدد المنح نفسها.
قيمة هذه الخطوة أنها تضع معيارا بسيطا أمام الجميع: ماذا قدمتم، ولمن، وما الذي تغير؟ أسئلة قصيرة، لكنها قد تربك تقارير طويلة أنفقت على إخراجها عناية تفوق العناية بقياس نتائجها، فلسنا بحاجة إلى عد مرات ظهور عبارة «نؤمن بمسؤوليتنا المجتمعية»؛ نحتاج إلى معرفة عدد الذين لمسوا هذه المسؤولية في تعليمهم، وعملهم، وحياتهم اليومية!
والسؤال بعد مبادرة جدارة يتجه إلى بقية القطاع الخاص: أين مساهمتكم؟ لدينا مؤسسات تستطيع تمويل مقاعد دراسية، وأخرى تستطيع توفير تدريب جاد، وثالثة تستطيع تبني تأهيل ينتهي بفرصة عمل، ولا يلزم أن تؤسس الشركة جامعة حتى تسهم في التعليم؛ يكفي أحيانا أن تتكفل بطالب، كما لا يلزم أن تضع صورتها بجوار كل حقيبة وكتاب حتى نصدق أنها دفعت ثمنهما.
ويمتد السؤال إلى الجامعات الحكومية والكليات الخاصة والجهات العامة، كل بحسب اختصاصه وإمكاناته، فالمطلوب مبادرات تعالج احتياجا واضحا، بمعايير عادلة ونتائج قابلة للمتابعة، لا سباقا في استنساخ المبادرات أو توزيع شهادات الشكر بين الجهات ذاتها، المجتمع لا تنقصه احتفالات تقول له إنه محور الاهتمام؛ تنقصه أحيانا نافذة صغيرة يدخل منها إلى فرصة حقيقية.
مبادرة جدارة تستحق أن تفتح باب المنافسة في النفع، وأن يتواصل أثرها مع استمرار الدعم ومتابعة نتائجه، أما الذين سيكتفون بإضافة عبارة جديدة إلى ملف الإنجاز، فليتذكروا أن ذلك الملف قد يحظى بتجليد فاخر، لكنه لن يدرس بدلا من طالب، ولن يؤهل باحثا عن عمل، بقي أن نرى: من سيحجز المقعد التالي لطالب، ومن سيحجزه للمصور؟!
