لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية نتحدث عنها باعتبارها جزءا من المستقبل، بل أصبح حاضرا يتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية وبيئات العمل المختلفة. وخلال السنوات الأخيرة، انتقل النقاش من سؤال: «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا سيحدث للإنسان عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا أساسيا من عمله؟».

ربما أكثر ما يثير القلق لدى الموظفين والطلاب والباحثين عن العمل هو الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى اختفاء عدد كبير من الوظائف. وهذا القلق مفهوم، خصوصا مع التطور المتسارع في قدرات الأنظمة الذكية، لكن الصورة قد تكون مختلفة عن ذلك.

فالذكاء الاصطناعي في كثير من الحالات لا يلغي الوظيفة بقدر ما يغيّر طبيعتها.

الموظف الذي كان يقضي ساعات طويلة في جمع البيانات وتحليلها وإعداد التقارير، أصبح قادرا على استخدام أدوات ذكية تختصر جزءا كبيرا من هذا الوقت. والمهندس الذي كان يعتمد على خطوات يدوية في مراقبة الأنظمة يستطيع اليوم الاستفادة من تقنيات التحليل والتنبؤ لاكتشاف المشكلات قبل وقوعها. وحتى في المجالات الإدارية، أصبحت الأدوات الذكية قادرة على تلخيص المعلومات وتنظيمها والمساعدة في اتخاذ القرار.

لكن هنا تظهر نقطة جوهرية: إذا كانت الآلة قادرة على تنفيذ جزء من العمل بسرعة ودقة، فما القيمة التي سيضيفها الإنسان؟

الإجابة في رأيي ليست في منافسة الآلة، وإنما في تعلم كيفية العمل معها.
المستقبل لن يكون بالضرورة للموظف الذي يحفظ أكبر قدر من المعلومات، بل للموظف القادر على فهم المشكلة، وطرح الأسئلة الصحيحة، وتحليل النتائج، واتخاذ القرار المناسب، ثم استخدام التقنية لتنفيذ ذلك بكفاءة أعلى.

وهذا التحول يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التعليمية وسوق العمل. فلم يعد كافيا أن نُخرج طالبا يحمل شهادة في تخصص معين، ثم نتوقع أن تبقى المهارات التي تعلمها مناسبة لعشرات السنوات. سوق العمل يتغير بسرعة، والمهارات التي كانت مطلوبة قبل سنوات قد تصبح أقل أهمية، بينما تظهر مهارات جديدة لم تكن موجودة أصلا.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة التفكير في مفهوم التعلم نفسه.
التعلم لم يعد مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة، بل أصبح عملية مستمرة. الموظف الذي يتوقف عن تطوير مهاراته قد يجد نفسه بعد سنوات يعمل بطريقة قديمة في سوق يعتمد على أدوات وأساليب جديدة.

وفي السعودية، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية مع التسارع الكبير في مشاريع التحول الرقمي وبناء الاقتصاد الرقمي. فالمملكة لا تحتاج فقط إلى استهلاك التقنيات الحديثة، وإنما تحتاج إلى كوادر قادرة على بنائها وتشغيلها وحمايتها وتطويرها.

وهنا تحديدا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان.
نحن بحاجة إلى جيل لا يخاف من الذكاء الاصطناعي، ولا يتعامل معه باعتباره تهديدا، بل ينظر إليه كأداة جديدة يمكن أن ترفع الإنتاجية وتفتح مجالات مهنية لم تكن موجودة من قبل.

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني أن نترك التفكير للآلة.
فالآلة تستطيع تحليل ملايين البيانات، لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار بالطريقة نفسها التي يتحملها الإنسان. تستطيع اقتراح الحلول، لكنها لا تملك دائما فهما كاملا للسياق الاجتماعي والاقتصادي والإنساني الذي يُتخذ فيه القرار.
ولهذا سيكون الإنسان حاضرا، ولكن بدور مختلف.

قد تختفي بعض المهام، وقد تتقلص الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية، وفي المقابل ستظهر وظائف جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني وإدارة الأنظمة الذكية وحوكمتها. وهذه ليست المرة الأولى التي يغير فيها التطور التقني شكل سوق العمل؛ فقد شهد العالم تحولات مشابهة مع ظهور الحاسب والإنترنت والأتمتة.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الآخرون أكثر قدرة على استخدامه منا.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟».
بل: «هل أمتلك المهارات التي تجعلني قادرا على العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟».

الفرق بين السؤالين كبير.
الأول يعكس الخوف من المستقبل، بينما الثاني يعكس الاستعداد له.
وفي النهاية، قد لا يكون مستقبل العمل إنسانا ضد آلة، وإنما إنسان يعمل مع آلة.

ومن ينجح في فهم هذه المعادلة مبكرا، سيكون أكثر قدرة على صناعة مستقبله بدلا من انتظار المستقبل ليقرر عنه.

S_B_F9@