تعيش بعض المنظمات الراهنة في بيئة تتسم بالتغير المتسارع، وتعدد التحديات، وارتفاع سقف التوقعات، ومع ذلك فإن بعض الأزمات التي تواجهها لا ترتبط بنقص الموارد أو ضعف الكفاءات بقدر ما ترتبط بأسلوب التفكير الإداري والنهج المتبع في العمل.

استخدام مصطلحي «الفصام الإداري» و«الهلوسة التنظيمية» بوصفهما تعبيرين مجازيين عن حالتين تستحقان التأمل في واقع منظمات اليوم.

الفصام الإداري أرى بأنها حالة من الانفصال بين ما تقوله المنظمة وما تفعله، وبين المبادئ التي تعلنها والممارسات التي تطبقها؛ قد تتحدث عن التمكين، بينما تحتكر القرار؛ وترفع شعار العمل الجماعي، بينما تقوم ممارساتها على الفردانية؛ وتتحدث عن الابتكار، ثم تعاقب من يحاول الخروج عن النمط التقليدي؛ وقد تعلن أن الموظف هو رأس مالها الحقيقي، بينما تتعامل معه بوصفه مجرد رقم مكلف في الهيكل التنظيمي.

هذا الانفصال يتحول تدريجيا لثقافة عمل؛ يتعلم الموظفون أن الخطاب الرسمي شيء، والواقع العملي شيء آخر، فيتوقفون عن تصديق الشعارات، ويصبح الهدف هو التكيف مع ما تريده الإدارة فعليا، لا ما تقوله في خططها واستراتيجياتها.

أما الهلوسة التنظيمية فأقصد بها الصورة الذهنية التي تبنيها المنظمة عن نفسها ولا تتطابق مع واقعها؛ فالإدارة قد تعتقد أنها تستمع لموظفيها، بينما يرون أن أصواتهم لا تصل؛ وقد تعتقد المنظمة أن العملاء راضون استنادا للتقارير والمؤشرات، في حين تكشف التجربة اليومية صورة مختلفة؛ وقد تنظر المنظمة لكثرة المبادرات والاجتماعات والمشروعات باعتبارها دليلا على النشاط والإنجاز، لكن النتائج الفعلية لا تتناسب مع تلك المعطيات.

تنشأ الهلوسة التنظيمية عندما تخشى المستويات الإدارية العليا نقل الأخبار السيئة، وعندما تصبح مخالفة الرأي نوعا من التحدي للسلطة، وعندما تتم مكافأة الرسائل المطمئنة أكثر من المعلومات الصادقة، تبدأ المنظمة في صناعة واقعها الخاص، ثم تصدقه.

تكمن الخطورة عندما يجتمع المفهومان في المنظمة نفسها؛ فصام في الممارسة، وهلوسة في الإدراك؛ تقول المنظمة شيئا وتفعل نقيضه، ثم تبدأ في الاعتقاد بأن ما تقوله هو ما يحدث فعلا؛ هنا تتكرر القرارات الخاطئة، وتستنسخ المبادرات، وتزداد الاجتماعات، وتتضخم التقارير، بينما تظل المشكلات الحقيقية قائمة خلف المشهد.

إن تجاوز هذه الحالة يبدأ من سؤال بسيط لكنه شجاع: هل نرى المنظمة كما هي فعلا، أم كما نرغب أن نراها؟
المنظمات تحتاج لشجاعة قرار التخلص من المعطلين أصحاب السلطة النفعيين؛ لإعادة هندسة عملياتها والوقوف على مكامن الخلل ومراجعة نهجها، والاستماع للأصوات المختلفة، والتمييز بين النشاط والإنجاز، وبين الصورة التي تقدمها عن نفسها والحقيقة التي يعيشها موظفوها وعملاؤها.

لذك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظمة ليس أن تخطئ، وإنما أن تفقد القدرة على رؤية أخطائها؛ فحين ينفصل الخطاب عن الممارسة، والوعي عن الواقع، تصبح الحاجة إلى الإصلاح أكبر من أي وقت مضى.

Yos123Omar@