الحوثي على خطى أبرهة
سامي مرضي الحربي3 دقائق للقراءةحجم الخط
قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، خرج أبرهة الحبشي بجيشه وفيله متجها نحو مكة، يحمل مشروعا يستهدف الكعبة، فخلد القرآن قصة أصحاب الفيل، وبقيت الحادثة شاهدا على مصير حملة جاءت إلى البيت الحرام معتقدة أن التصرفات اللاعقلانية تستطيع أن تفرض إرادتها ومكانتها.
واليوم، وبعد قرون طويلة، تظهر نسخة أخرى من المشهد بأدوات مختلفة؛ مليشيا الحوثي الإرهابية تطلق الطائرات المسيرة والصواريخ، وتحاول الاقتراب من العاصمة المقدسة، في سلوك يعيد إلى الذاكرة صورة أبرهة الحبشي، مع فارق أن فيل الأمس تحول في زمن المليشيا الحوثية إلى طائرة مسيرة، وأن المليشيا التي تتحدث باسم الدين وجدت نفسها أمام فعل يستفز مشاعر المسلمين تجاه أطهر بقاع الأرض.
«أبرهة الحوثي» هو توصيف رمزي لمشهد بالغ الدلالة؛ مليشيا إرهابية خرجت من رحم الحرب اليمنية، وبدل أن تنشغل بمأساة اليمنيين وأحلامهم المهدرة، تواصل توسيع دائرة عدائها، وتدفع باليمن إلى صراعات تتجاوز حدوده، وتربط قرارها العسكري بحسابات إقليمية تخدم المشروع الإيراني في المنطقة.
هذه المليشيا أثبتت خلال سنوات الحرب أنها لا تتعامل مع اليمن باعتباره وطنا يحتاج إلى بناء واستقرار، فقد دمرت مؤسساته، وأرهقت اقتصاده، وعمقت الانقسام، وأثقلت حياة اليمنيين بالحرب والفقر والنزوح، بينما واصلت استخدام الأراضي اليمنية منصة لتنفيذ أجندة تتجاوز احتياجات الشعب اليمني ومستقبله.
والأشد دلالة أن الاقتراب من مكة بالسلاح يكشف حجم الانفصال بين الشعارات التي ترفعها المليشيا وبين أفعالها على الأرض؛ فمكة ليست ساحة صراع سياسي، والحرم المكي ليس هدفا يمكن إدخاله في حسابات المناكفات الإقليمية، وأمن الحرمين الشريفين قضية تتجاوز حدود السياسة، وتمس مشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
أبرهة الحبشي جاء إلى مكة بفيل وجيش، والحوثي يأتي اليوم بطائرة مسيرة ومشروع خارج عن القانون الدولي، وبين الصورتين فارق الزمن وتطور أدوات العدوان، بينما يبقى التشابه في اقتراب مشروع مسلح من البيت الحرام، وكأن التاريخ يستدعي اسم أبرهة كلما ظن أصحاب التصرفات المنفلتة واللاعقلانية أن بإمكانهم تحويل مكة إلى ساحة لمشاريعهم.
والتاريخ لا يحتاج إلى تكرار تفاصيله حتى يحمل درسه؛ نهاية أبرهة تحولت إلى قصة يتناقلها المسلمون جيلا بعد جيل، أما المليشيا الحوثية فتواجه اليوم حصيلة سنوات من المغامرة التي أضرت باليمن واليمنيين، ووسعت خصوماتها، وأدخلت البلاد في صراع طويل دفع ثمنه المواطن اليمني قبل غيره.
أمام هذه الحقيقة، يحتاج اليمنيون إلى موقف واضح من مشروع المليشيا الحوثية، قوامه رفض تحويل وطنهم إلى ساحة للحروب الإقليمية، ونبذ خطاب الكراهية والعنف، واستعادة الدولة ومؤسساتها تحت مظلة الحكومة الشرعية، وإعلاء مصلحة اليمن فوق مصالح الجماعات المسلحة والقوى الخارجية، حتى يستعيد اليمنيون حقهم في دولة تحفظ أمنهم وتصون مستقبلهم وتمنح أبناءهم فرصة للحياة بعيدا عن تهور وعنجهية المليشيا الحوثية.
أما أبرهة الحوثي، فقد اختار لنفسه أن يدخل الذاكرة من الباب الذي دخل منه أبرهة الحبشي؛ «باب مكة» والتاريخ وحده سيكتب بقية القصة.
