الدكتور هشام عجيمي... المحب لمكة المُجوّد لتاريخها
حسن عبدالعزيز مكاوي5 دقائق للقراءةحجم الخط
في أزقة مكة القديمة، وبين حاراتها العتيقة، عاش رجال نذروا أعمارهم لخدمة تاريخ هذه المدينة المباركة، فلم يسعوا إلى شهرة ولا أضواء، لكنهم نقشوا أسماءهم في ذاكرة مكة، وتركوا للمكتبة المكية إرثا علميا وتاريخيا سيظل شاهدا على إخلاصهم وعطائهم.
وخلال ما يقارب خمسة وعشرين عاما من مسيرة موقع قبلة الدنيا، تشرفنا بلقاء عدد من هؤلاء المؤرخين والباحثين، فاستمعنا إلى أحاديثهم، ونهلنا من علمهم، ووثقنا جانبا من ذكرياتهم. واليوم، نستعيد بعضا من تلك اللقاءات؛ وفاء لهم، وعرفانا بما قدموه لتاريخ مكة المكرمة، وإحياء لذكرى رجال رحلوا وبقيت آثارهم، وشهادة تحفظ شيئا من جميل عطائهم للأجيال القادمة.
بدعوة كريمة من أستاذ التاريخ والحضارة بكلية الشريعة في جامعة أم القرى، الباحث في تاريخ الحرمين الشريفين وآثارهما ووثائقهما وطرق الحاج والخط العربي، الدكتور هشام محمد علي عجيمي (رحمه الله)، تشرفنا بزيارته في منزله مساء الثلاثاء 11/11/1431هـ. وكانت المبادرة بالتواصل منه، إذ أبدى اهتماما لافتا بدور الإنترنت في خدمة التراث المكي والمحافظة عليه.
وقد لمسنا ذلك بوضوح في مكتبته الالكترونية التي أنشأها إلى جانب مكتبته الورقية العامرة، وفي حرصه على توثيق كتبه وأبحاثه بصيغ رقمية، بل وتكرّم بإهداء نسخ منها إلى موقع قبلة الدنيا؛ دعما منه لرسالة الموقع وإيمانا بأهمية توظيف التقنية في حفظ تاريخ مكة المكرمة.
الدكتور هشام بن محمد علي بن حسن بن عبد الرحمن عجيمي، من مواليد مكة المكرمة في 10 رجب 1377هـ، الموافق 22 يناير 1958م.
تلقى تعليمه العام في مدارس مكة المكرمة؛ فدرس المرحلة الابتدائية بالمدرسة العزيزية الابتدائية، والمتوسطة بمدرسة عرفات المتوسطة، والثانوية بالمدرسة العزيزية الثانوية. وحصل على درجة البكالوريوس في قسم الحضارة والنظم الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز - شطر مكة المكرمة عام 1399هـ بتقدير جيد جدا، وعيّن معيدا بالقسم عام 1400هـ.
حصل على درجة الماجستير من جامعة أم القرى عام 1403هـ عن بحثه «قلعة المويلح في المنطقة الشمالية الغربية من المملكة العربية السعودية: دراسة معمارية حضارية»، بتقدير ممتاز، ثم حصل على درجة الدكتوراه عام 1407هـ عن بحثه «قلاع الأزنم والوجه وضبا في المنطقة الشمالية الغربية من المملكة العربية السعودية: دراسة معمارية حضارية»، بتقدير ممتاز، وقد رشّح البحثان للطباعة في المناسبة المئوية للمملكة عام 1419هـ.
تدرج في الرتب الأكاديمية؛ فرقي إلى محاضر عام 1403هـ، وأستاذ مساعد عام 1408هـ، وأستاذ مشارك عام 1416هـ، ثم أستاذ عام 1431هـ. كما حصل على دورة في أساسيات اللغة التركية من قسم اللغات الأجنبية بجامعة إسطنبول عام 1413هـ/1993م.
تركزت عنايته العلمية على تاريخ الحرمين الشريفين والحجاز وآثاره الإسلامية ووثائقه، والوثائق التاريخية للمواقع الأثرية في الحرمين الشريفين والحجاز، وترجمة الوثائق والكتب العثمانية التركية، والخط العربي، وفنونه، وتاريخه.
ومن أبرز إنتاجه العلمي وأبحاثه: قلعة المويلح، وقلاع الأزنم والوجه وضبا، وقلعة تبوك، وقلعتا لعلع وهندي بمكة المكرمة، والتحصينات الحربية بمكة المكرمة حتى نهاية العصر المملوكي، ومسجد الإجابة بمكة المكرمة، ودار الهنا (قصر الملك فيصل) بحي الشامية، وتكية البخاريين بمكة المكرمة، ووثائق إنشاء وترميم عدد من القلاع على طريق الحاج الشامي، ودراسة قلعة ذات الحاج وقلعة الأخضر، ومعجم المكاييل والمقاييس والموازين في الدولة العثمانية.
كما قام بتحقيق كتاب «المناهل الصافية العذبة في بيان ما خفي من مساجد طيبة»، وترجم مسند الحجاز الشيخ حسن بن علي العجيمي (1049–1113هـ)، والشيخ حسن بن عبد الرحمن العجيمي (1289–1361هـ)، إمام المقام الحنفي بالمسجد الحرام.
عاش عازفا عن المناصب الإدارية، مكرّسا جهده للعلم والبحث والتوثيق. وكانت شخصية الدكتور هشام تجسّد حب مكة بكل تفاصيله؛ فقد كانت مكة تسكن وجدانه، وتظهر في حديثه، وتنعكس في اهتماماته العلمية. ولم يكن اختياره لتخصص التاريخ والحضارة إلا امتدادا لهذا الانتماء؛ ثم جاءت أبحاثه ومؤلفاته، جميعها تدور في فلك الحضارة المكية وتاريخها، حتى نال درجة الأستاذية، وهو ما يزال وفيا لموضوعه الأول: مكة المكرمة. ورغم مكانته العلمية الرفيعة، فقد كان مثالا للتواضع، ودماثة الخلق، وبشاشة اللقاء، وكرم الضيافة.
ولم يحتكر علمه أو يجعل مؤلفاته حبيسة الأدراج، بل حرص على نشرها وإتاحتها لكل باحث وطالب علم، مؤمنا بأن المعرفة رسالة، وأن خدمة التراث مسؤولية مشتركة.
ففي عام 2017م أطلق على الإنترنت «مدونة وقف دراسات الأستاذ الدكتور هشام بن محمد علي بن حسن عجيمي» ونشر من خلالها أكثر من 1000 مادة علمية رقمية يمكن تحميلها والاستفادة منها. وقبل وفاته بسنوات وتحديدا في 2020م قام بعمل سلسلة دراسات كوقفية لله تعالى، تعنى بطبع ونشر مؤلفاته، تحت عنوان «وقفية دراسات الدكتور هشام عجيمي»، وصدر منها: دفتر عموم نقباء الأشراف في ولايات الدولة العثمانية، دفتر أوقاف الحرمين الشريفين والقدس الشريف لسنة 1213هـ - 1798م، لوازم الحجاج (محطات الطريق البري لقافلة الحج من إسطنبول إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة قبل عام 1218هـ)، دفتر معاشات أئمة وخطباء وشيوخ وموظفي المسجد الحرام سنة 1300هـ، دفتر صرة مخصصات الحامية لقافلة الحاج الشامي سنة 1131هـ، تاريخ مكة المشرفة المسمى الأخبار المكية، أخبار الحرمين الشريفين وولاية الحجاز في السجل العثماني، رحلة بهجة المنازل (رحلة حج في العصر العثماني، سنة 1193هـ )، معجم مفردات ومصطلحات وتعبيرات المكاييل والمقاييس والموازين في الدولة العثمانية، دفتر أوقاف الحرمين الشريفين والقدس الشريف لسنة 1076-1077هـ، القلاع ومناهل المياه في طريق الحاج الشامي.
وبقي ذلك اللقاء حاضرا في ذاكرتنا، نستعيده اليوم وفاء لصاحبه، الذي انتقل إلى رحمة الله في 20 جمادى الآخرة 1443هـ. فقد كان محبّا لمكة المكرمة، مجوّدا لتاريخها، أفنى سنوات عمره في دراسة حضارتها وتوثيق تراثها، حتى غدا من أبرز الباحثين في تاريخها المعاصر، تاركا للمكتبة المكية إرثا علميا سيبقى شاهدا على جهوده.
ومن هنا، فإننا نأمل من الجمعيات والجهات المعنية بالتاريخ والتراث، وفي مقدمتها الجمعية التاريخية السعودية، وجمعية التاريخ والآثار الخليجية، أن تلتفت إلى هذا الإرث العلمي الكبير، وأن تبادر إلى تكريم الدكتور هشام عجيمي، وإعادة إخراج مؤلفاته ودراساته وتحقيقها وطباعتها في إصدارات علمية تليق بقيمتها، وإتاحتها للباحثين والمهتمين؛ حتى لا تبقى هذه الجهود العلمية حبيسة المطبوعات القديمة أو الملفات الرقمية، ولتصل إلى أجيال جديدة من الباحثين وطلاب العلم.
فالدكتور هشام عجيمي يستحق التكريم، وإن جاء متأخرا، كما يستحق علمه أن يصان، وإرثه أن يعاد إلى الواجهة، وأن يستفيد منه كل من يعتني بتاريخ مكة المكرمة والحرمين الشريفين وتراثهما.
رحم الله الدكتور هشام عجيمي، وجزاه عن مكة وأهلها وتاريخها خير الجزاء.
makkawicom@
