صندوق الطوارئ أولا.. كم تحتاج قبل أن تبدأ الاستثمار؟
نوف عبدالإله الشمري3 دقائق للقراءةحجم الخط
قبل أن نسأل: أي سهم نشتري؟ ربما يجدر بنا أن نسأل: من أين ندفع مصروف البيت إذا تأخر الراتب أو توقف الدخل؟ فتعطل السيارة التي نذهب بها إلى العمل لا ينتظر تحسن السوق، والمصروف العاجل لا يختار موعدا يناسب محفظتنا. هنا تظهر قيمة صندوق الطوارئ؛ مال لا نحتفظ به بحثا عن أعلى ربح، بل حتى لا تضطرنا الحاجة إلى قرار مكلف.
وصندوق الطوارئ ليس اسما لصندوق استثماري، وإنما احتياطي نقدي نخصصه للنفقات الضرورية غير المتوقعة أو لانقطاع الدخل. وجوده لا يلغي المفاجآت، لكنه يمنحنا مساحة للتعامل معها، بدل أن تتحول فاتورة إصلاح إلى دين جديد، أو أن نبيع استثمارا طويل الأجل في توقيت غير مناسب.
أما حجمه، فلا يبدأ من الراتب، بل من المصروف الذي لا يمكن الاستغناء عنه: السكن، والغذاء، والفواتير الأساسية، والتنقل، والأقساط المستحقة، واحتياجات من نعولهم. وتضاف إلى الحساب حصة شهرية من الالتزامات الضرورية السنوية. السؤال ليس: كم أكسب؟ وإنما: كم يحتاج البيت ليستمر إذا غاب الدخل؟
ومن الإرشادات الشائعة تكوين احتياطي يغطي مصروفات ثلاثة إلى ستة أشهر، وهو نطاق للاسترشاد لا قاعدة جامدة. ولنفترض أن شخصا يتقاضى 10 آلاف ريال، وتبلغ احتياجاته الأساسية 6 آلاف شهريا؛ فإن الاحتياطي وفق هذا النطاق يكون بين 18 و36 ألف ريال. الحساب هنا على أساس الضروريات، لا على كامل الراتب ولا على مستوى الإنفاق المعتاد بكل كمالياته.
وتبقى ظروف الأسرة أهم من القاعدة نفسها، فأسرة لديها مصدران مستقران للدخل تختلف عن أسرة تعتمد على دخل واحد متذبذب. ومن يعمل لحسابه، أو يعول أشخاصا أكثر، أو قد يستغرق العثور على عمل بديل وقتا طويلا، ربما يحتاج إلى احتياطي أكبر. لذلك لا تصلح مقارنة رصيدنا برصيد الآخرين من دون مقارنة التزاماتنا وظروفنا.
وقد يبدو الهدف بعيدا لمن يبدأ من الصفر، لكن البديل ليس تأجيل البداية. يمكن بناء مبلغ أولي لمواجهة إصلاح عاجل، ثم الوصول إلى مصروف شهر، والتدرج بعد ذلك. ويساعد تحويل مبلغ يمكن تحمله فور نزول الدخل، بدل انتظار ما يتبقى آخر الشهر. ومع وجود ديون مرتفعة التكلفة، ينبغي الموازنة بين احتياطي أولي وخطة للسداد، لا تجاهل أحدهما.
ويبقى مكان الاحتفاظ بهذا المال جزءا من القرار، فالمطلوب رصيد منفصل عن مصروف الحياة اليومية، يمكن الوصول إليه بسهولة، مع الاهتمام بسلامة المبلغ قبل العائد. وهنا يفيد فهم الفرق بين حساب الادخار والمنتج الاستثماري؛ فالاسم وحده لا يكفي، والأهم معرفة شروط السحب، وأي رسوم أو قيود، وما إذا كان رأس المال معرضا للخسارة.
ولهذا لا يصح أن نعامل محفظة الأسهم باعتبارها بديلا جاهزا لاحتياطي الطوارئ. وحتى الصناديق ذات التوزيعات الشهرية لا يعني توزيعها النقدي ضمان رأس المال؛ فقيمة الاستثمار قد تتغير، وقد نحتاج إلى البيع في وقت غير مناسب. ما يصلح لتنمية المال على المدى الطويل ليس بالضرورة مناسبا لفاتورة يجب سدادها غدا.
ومن المهم أيضا ألا نوسع معنى الطوارئ حتى يشمل كل رغبة. فالإجازة المخطط لها، والرسوم المعروفة موعدا وقيمة، تحتاج إلى ادخار مسبق ضمن الميزانية، لا إلى مفاجأة متكررة نسحب بسببها من الاحتياطي. وإذا استخدمناه في ظرف حقيقي، فإعادة بنائه جزء من الخطة، وكذلك مراجعته حين تتغير مصروفات الأسرة أو مصادر دخلها.
في النهاية، ليس صندوق الطوارئ مالا بلا عمل؛ وظيفته أن يحمي قدرتنا على الاختيار، فالبداية المالية المتينة لا تقاس بسرعة دخول السوق وحدها، بل بقدرتنا على البقاء فيه دون أن تجبرنا فاتورة طارئة على الخروج. قبل البحث عما قد يربحه المال، يجدر بنا أن نحدد ما الذي نحتاج إليه كي لا نخسره اضطرارا.
