لا تبدو صناعة الروبوتات في السعودية مجرد امتداد لموجة التحول الرقمي، بقدر ما تكشف عن انتقال الصناعة المحلية إلى مستوى أكثر تعقيدًا؛ من تصنيع السلع والمكونات إلى تطوير الأدوات التي تقوم عليها عمليات الإنتاج والخدمات. فمع اتساع حضور الأتمتة والذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، تصبح القدرة على تصميم الروبوت وتصنيعه وبرمجته ودمجه وصيانته جزءًا من القيمة الصناعية ذاتها.
وتتجلى ملامح هذا التحول في منتدى الصناعة السعودي SIF 2026 بجدة، حيث دشنت شركة «مكننة» أول سلسلة روبوتات صناعية محلية من نوع الأذرع الروبوتية Industrial Robotic Arms تحت اسم MR Series، لتنتقل صناعة الروبوت في المملكة من دائرة الاستخدام إلى دائرة الإنتاج والتطوير.
وقال الأمير عبدالعزيز بن سلطان آل سعود، الرئيس التنفيذي لشركة «مكننة»، إن العمل على المشروع استغرق نحو عام، موضحًا أن الشركة دشنت ثلاثة موديلات من الروبوتات مخصصة لتطبيقات تشمل اللحام، ومناولة المواد، والالتقاط والوضع، فيما تصل الطاقة الإنتاجية الحالية للمصنع إلى نحو 200 روبوت سنويًا.
وأوضح، على هامش أعمال النسخة الثانية من المنتدى، أن الشركة تعمل مع عدد من المصانع في المملكة لتكوين سلاسل إمداد محلية تسهم في توطين صناعة الروبوتات، مشيرًا إلى أن هذه الصناعة تمثل أحد المكونات الأساسية لخطوط الإنتاج الحديثة، وأن التوجه لا يقف عند التصنيع المحلي، بل يمتد إلى التصدير باعتباره مرحلة أساسية في مسار الصناعة.
وتعتزم «مكننة»، وفق الأمير عبدالعزيز بن سلطان، توسيع منتجاتها من الروبوتات وتطوير موديلات جديدة بحمولات أعلى؛ إذ تبلغ حمولة الروبوت MR50 الذي دُشن خلال المنتدى 50 كيلوجرامًا، مع استهداف تطوير روبوتات تصل حمولتها إلى 200 و300 كيلوجرام، إلى جانب موديلات مخصصة لتطبيقات صناعية متعددة.
وتكشف هذه الأرقام أن الرهان لا يتعلق بعدد الروبوتات المنتجة فحسب، وإنما ببناء صناعة يمكن أن تتشكل حولها سلسلة قيمة واسعة تبدأ من التصميم والهندسة والتصنيع، وتمتد إلى أنظمة التحكم والبرمجيات والحساسات والتكامل مع خطوط الإنتاج، وصولًا إلى الصيانة والتحديث والتدريب.
وهنا يأخذ توطين صناعة الروبوتات معنى يتجاوز المنتج نفسه؛ إذ يتعلق بتوطين المعرفة الصناعية والأدوات التي تقوم عليها الصناعة. وكلما ارتفعت نسبة المكونات والخبرات والخدمات المنتجة محليًا، اتسعت القيمة التي تبقى داخل الدورة الاقتصادية، وتزايدت فرص نشوء صناعات وخدمات مساندة حول التقنية.
وتعمل «مكننة» في مجال حلول الأتمتة الصناعية، بما يشمل الروبوتات والآلات والحلول المرتبطة بالتحكم والتشغيل والصيانة، فيما تشير الشركة إلى أن حلولها تستهدف تعزيز كفاءة الإنتاج وتقليل الاعتماد على العمالة في الأعمال التي يمكن أتمتتها، مع توفير خدمات الصيانة لضمان استمرارية التشغيل.
وفي مسار موازٍ، تتسع تطبيقات الروبوتات خارج خطوط الإنتاج، مع ظهور حلول محلية للروبوتات الخدمية، من بينها ما تقدمه شركة ماهر بن نايف للذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال التقنية الروبوتية من البيئة الصناعية إلى قطاعات الخدمات.
وهنا تتسع الخريطة الاقتصادية للقطاع؛ فالروبوتات الصناعية ترتبط برفع الإنتاجية والدقة وتقليل الأعمال المتكررة أو عالية الخطورة، بينما يمكن للروبوتات الخدمية أن تجد تطبيقات في الضيافة والمطارات والخدمات اللوجستية والمرافق والتجزئة والفعاليات وغيرها من البيئات التي تتطلب التشغيل المستمر أو التعامل مع المهام المتكررة.
ولا تختصر هذه التحولات في فكرة إحلال الروبوت محل العامل؛ فالأثر الأوسع للأتمتة قد يتمثل في إعادة تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، مع زيادة الحاجة إلى مهندسي الأتمتة والروبوتات والبرمجيات والبيانات والتشغيل والصيانة والتكامل بين الأنظمة، بالتوازي مع رفع إنتاجية العامل في القطاعات التي توظف هذه التقنيات.
وتكتسب هذه النقلة أهمية أكبر مع تغير معايير المنافسة الصناعية عالميًا؛ إذ لم تعد المنافسة تقوم على تكلفة العمالة وحدها، بل أصبحت الإنتاجية، وسرعة التصنيع، وجودة المنتج، وكفاءة استخدام الموارد، والمرونة التشغيلية، والقدرة على الاستجابة للطلب، عناصر أساسية في تنافسية الصناعة.
ومن هنا تصبح الأتمتة إحدى الأدوات التي يمكن أن تدعم تنافسية المصانع السعودية، خصوصًا عندما تقترن بقدرة محلية على تطوير التقنية وتكييفها مع احتياجات القطاعات المختلفة، بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.
كما أن تصنيع الروبوت محليًا يغير المعادلة الاقتصادية مقارنة باستيراده جاهزًا؛ إذ تنتقل حصة من الإنفاق الصناعي من شراء منتج تقني خارجي إلى منظومة محلية تشمل التصميم والتصنيع والبرمجة والتكامل والخدمات والصيانة، مع إمكانية تطوير المنتجات وفق احتياجات السوق السعودية ثم توسيع نطاق استخدامها خارجها.
وهذا هو البعد الأوسع للتوطين: ألا تكتفي المملكة بتوطين إنتاج السلع، وإنما تعمل على توطين التقنيات التي تنتج السلع وتدير عملياتها وسلاسل إمدادها.
ومن هذه الزاوية، تصبح صناعة الروبوتات جزءًا من منظومة صناعية أوسع تتقاطع فيها الأتمتة مع الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والإلكترونيات والهندسة والخدمات اللوجستية. وكل حلقة جديدة تُبنى محليًا لا تضيف منتجًا فحسب، بل تعمق القاعدة الصناعية وتوسع نطاق القيمة المتولدة داخل الاقتصاد.
ولا تقف السوق المحتملة عند المصانع؛ فمع توسع المدن والمشروعات اللوجستية والسياحية والصحية والخدمية، تتزايد فرص استخدام الروبوتات في البيئات التي تتطلب تشغيلًا مستمرًا، أو تنفيذ مهام متكررة، أو التعامل مع أعمال ذات مخاطر تشغيلية مرتفعة.
وبين ذراع روبوتية تعمل في خط إنتاج، وروبوت خدمي يتولى مهمة في منشأة، تتشكل صورة أوسع للتحول التقني في المملكة؛ فالروبوت لم يعد تقنية ذات استخدام واحد، وإنما منصة تتعدد تطبيقاتها كلما تطورت الصناعة والخدمات والبيئة الرقمية المحيطة بها.
ومن ثم، فإن تدشين الروبوت الصناعي السعودي لا يمثل قصة منتج منفرد بقدر ما يفتح سؤالًا اقتصاديًا أوسع: هل تستطيع المملكة الانتقال من استهلاك التقنيات الصناعية المتقدمة إلى تطويرها وتصنيعها وبناء سلاسل القيمة المرتبطة بها، ثم تحويلها إلى منتجات قابلة للتوسع والتصدير؟
وتبدو إجابة هذا السؤال مرتبطة بقدرة القطاع المحلي على بناء منظومة متكاملة تشمل التصميم والتصنيع والبرمجيات والمكونات والمهارات والتكامل الصناعي والصيانة والأسواق. فكل حلقة تُبنى داخل المملكة تزيد من عمق الصناعة، وكلما اتسعت هذه الحلقات، تحولت التقنية من تكلفة مستوردة إلى قيمة مضافة يمكن أن تتولد محليًا.
وعند اكتمال هذه الحلقة، يصبح الروبوت أكثر من آلة داخل المصنع؛ يصبح صناعة قائمة بذاتها، وأداة لصناعة أخرى، وجزءًا من اقتصاد يتجه من استهلاك التقنية إلى إنتاجها وتطويرها وتصديرها.
السعودية تصنع أدوات الصناعة.. من الروبوت الصناعي إلى الروبوت الخدمي
وائل سعود العتيبي - جدة5 دقائق للقراءة


حجم الخط
