من النفايات إلى الثروة.. نحو نموذج وطني رائد للاقتصاد الأخضر
عوض السحيمي4 دقائق للقراءةحجم الخط
يشهد العالم تحولا متسارعا نحو الاقتصاد الأخضر والدائري، مما يعيد صياغة علاقة المجتمعات بمواردها، ويمنح الدول فرصة لتقليل الهدر ورفع كفاءة الإنتاج، ويقلل الاعتماد على المواد الخام المستوردة. والمملكة، بوصفها جزءا من هذا التحول، تمتلك قاعدة ضخمة من الموارد المهملة التي يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية، خاصة المخلفات الزراعية ومخلفات البستنة والمسطحات الخضراء، إلى جانب مخلفات الصناعات الغذائية مثل بقايا القهوة والشاي والعصائر ومنتجات الألبان. فوفقا للهيئة العامة للإحصاء، بلغت كمية النفايات الناتجة عن أنشطة الزراعة والحراجة وصيد الأسماك 46.9 مليون طن في عام 2024 (الهيئة العامة للإحصاء: 2025)، كما تشير تقديرات المركز الوطني لإدارة النفايات إلى أن المخلفات الزراعية تشكل نحو 37% من إجمالي النفايات المنتجة، بأكثر من 40 مليون طن سنويا (جريدة الاقتصادية: 29 أبريل 2026). ومع وجود أكثر من 33 مليون نخلة في المملكة (جريدة الاقتصادية: 2 سبتمبر 2026)، يقدر إجمالي مخلفات سعف النخل بأكثر من 800 ألف طن سنويا وفقا لشركة SIRC (جريدة الاقتصادية: 29 أبريل 2026).
تزداد أهمية هذه المخلفات لأنها عضوية وقابلة للتحلل، ومتجددة ومستقرة التدفق، وغنية بالسليلوز والليغنين والبروتينات، مما يسمح بتحويلها عبر عمليات حيوية وكيميائية إلى بلاستيك حيوي، وأسمدة عضوية، ووقود حيوي، ومواد خام لصناعات الأدوية والتجميل، ومواد بناء. وما يبدو نفايات في الظاهر يمكن أن يصبح مادة أولية لصناعات المستقبل، وهو ما يجعل هذا الملف فرصة اقتصادية حقيقية يمكن البناء عليها عبر تقنيات الاقتصاد الأخضر.
وهناك جهود قائمة على الصعيد المحلي. فشركة SIRC (الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، تعمل في هذا القطاع وتعقد شراكات استراتيجية مع عدة جهات. وقد أبرمت مؤخرا اتفاقية شراكة مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) لتسريع البحث والابتكار في مجال إدارة النفايات (شركات مباشر: 3 مارس 2025). كما وقع المركز الوطني لأبحاث وتطوير الزراعة المستدامة «استدامة» اتفاقية تعاون مع المركز الوطني لإدارة النفايات «موان» (وكالة الأنباء السعودية واس: 27 يناير 2026)، وأطلقت مبادرة الحج المستدام (وكالة الأنباء السعودية واس: 28 مايو 2026) لتحويل فائض الطعام إلى أسمدة عضوية (جريدة المدينة: 28 مايو 2026). وتأتي هذه الجهود في سياق الدعوات المتزايدة للاستثمار في الاقتصاد الأخضر، ومنها ما طرحه الكاتب وليد سعد الشهري على صفحات هذه الصحيفة (صحيفة مكة: 1 يونيو 2026).
ورغم أهمية هذه الجهود، إلا أنها تواجه تحديات تتعلق بتشتت العمل وضعف التكامل بين مراحل سلسلة القيمة، إضافة إلى غياب أطر تنظيمية موحدة وارتفاع التكاليف الاستثمارية الأولية، مما يحد من إقبال المستثمرين. ويدرك هذا المقال أن نجاح النموذج المقترح يتطلب وجود إطار قانوني واضح وآلية موحدة لجمع المخلفات، لضمان استدامة التدفق وانتظام الإمداد، وحماية الاستثمارات من التذبذب وعدم اليقين. ففي المملكة، يعمل المركز الوطني لإدارة النفايات «موان» كمنظم رئيسي للقطاع، حيث يتولى منح التراخيص وفرض الضوابط الفنية والقانونية، وقد صدرت مؤخرا لائحته التنفيذية التي تشدد على ضرورة الحصول على تراخيص مسبقة وتفرض غرامة كبيرة على الخالفين. كما تعمل شركة SIRC كذراع استثماري لتحقيق مستهدفات الاقتصاد الدائري، وتستهدف تحويل 82% من النفايات عن المدافن بحلول 2035. وتظهر التجارب الدولية أهمية هذا الإطار، ففي كوريا الجنوبية أثبت نموذج حوكمة قائم على التعاون بين القطاعين العام والخاص والأكاديمي نجاحه في جمع ومعالجة المخلفات الزراعية، وفي أوروبا تحدد القوانين الأطر الفنية للتعامل مع المخلفات الزراعية للحد من الانبعاثات.
ويطرح هذا المقال نموذجا رياديا لشركة وطنية متخصصة في الاقتصاد الأخضر، تنحصر أعمالها في تدوير المخلفات الزراعية والبستنة والصناعات الغذائية، مع مركز بحث وتطوير مدمج لضمان سرعة نقل التقنية وحماية الملكية الفكرية وتأهيل الكوادر الوطنية. ويقترح المدينة المنورة مقرا للنواة الأولى، لما تزخر به من مخلفات نخيل ومسطحات خضراء تغذي المواد الخام، وتضم جامعات عريقة كجامعة طيبة والجامعة الإسلامية وجامعة الأمير مقرن، توفر بيئة بحثية متكاملة، إضافة إلى بنيتها التحتية وقربها من المشاريع الزراعية والصناعية، وموقعها الذي يؤهلها كمنصة معرفية وجذب للخبرات. على أن يتوسع المشروع لاحقا إلى القصيم والأحساء وجازان، مع بقاء المدينة المنورة قلبا تقنيا وفكريا يخدم الفروع كافة.
خلاصة القول، إن النموذج المقترح في هذا المقال يقدم إجابة عملية عن كيفية تحويل المخلفات الزراعية ومخلفات البستنة والصناعات الغذائية إلى مواد خام لصناعات المستقبل، عبر شركة وطنية متخصصة تدمج بين التشغيل والاستثمار والبحث والتطوير، مع إطار قانوني وآلية موحدة لجمع المخلفات، ومقر نواة الشركة في المدينة المنورة يتوسع تدريجيا ليشمل مناطق المملكة. هذا النموذج المتكامل يمكن أن يحول التحدي البيئي إلى فرصة تنموية ملموسة، ويدعم تحقيق أهداف رؤية 2030 في بناء اقتصاد مستدام ومزدهر. وقد كان لكاتب هذه السطور شرف إعداد مبادرة بهذا المضمون، ومناقشتها مع بعض رجال الأعمال وأعضاء مجالس محلية، ونالت استحسانهم.
