"رمي الجبل بالحصى لا يغير شيئا، بل يزيد الأمور سوءا وتعقيدا".. وهذا ما يفعله الحوثيون اليوم؛ فمع تضييق الخناق عليهم وتراجع خياراتهم، اختاروا التصعيد في التوقيت الخاطئ، وارتكبوا أخطاء سياسية وأمنية كبيرة، بما يعطي دلالة واضحة على أنهم في رمقهم الأخير، ويحرقون ما تبقى من فرص الحل السياسي والتفاوضي، في الوقت الذي بدأت فيه قوات الشرعية اليمنية تحقق مكاسب ميدانية وتستعيد مواقع مهمة في عدد من الجبهات، وكان المنتظر أن تدفع هذه المتغيرات الحوثيين إلى مراجعة حساباتهم، والبحث عن مخرج سياسي يوقف نزيف اليمن ويفتح مجددا أبواب الحل، لكنهم اختاروا الطريق المعاكس؛ فبدل قراءة التحولات على الأرض والبحث عن تسوية، اتجهوا إلى التصعيد خارج الحدود، واستهداف المملكة ومقدراتها الوطنية وأعيانها المدنية، في ما يمكن وصفه بأنه انتحار سياسي وحرق للأوراق الأخيرة، إن وجدت.
وهنا تبدو المفارقة واضحة: كلما ضاقت الخيارات أمام الحوثيين، اتسعت دائرة الاستهداف، وكلما اقتربت فرص الحل، أحرقوها بالتصعيد، وفي المقابل، تؤكد المملكة حقها الكامل في حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها، والتعامل بحزم مع أي تهديد يستهدفها، لأنه يمثل تهديدا مباشرا، وأن القوات المشتركة بكل تأكيد ستواجه هذا النهج بكل حزم، وتتخذ الإجراءات اللازمة لتحييد مصادر التهديد.
فمثل هذا التصعيد لا يمنح الحوثيين مكسبا سياسيا، ولا يغير معادلات الأرض، ولا يقربهم من حل الأزمة، وإنما يدفع بهم نحو مزيد من العزلة والمواجهة، وأن الطريق إلى السلام لا يمكن أن يمر عبر التصعيد والاستهداف، بل عبر طاولة المفاوضات، والقبول بحل سياسي يحفظ لليمن والمنطقة أمنهما واستقرارهما.
مهما كان الرد قاسيا وحازما بهدف الردع وتحييد مصادر العدوان، فإنه ما زال في إطار ضبط النفس والحِلم السعودي، ومن أبسط ما يمكن أن يفعله الحوثيون أن يستفيدوا من هذه الرسالة، وأن يدركوا أن الاستمرار في التصعيد لن يغير المعادلة، بل سيزيد خسائرهم ويضيق خياراتهم، حتى تتحول هذه الفرص المتاحة إلى أوراق محروقة يصعب استعادتها، فالسياسة في لحظات الأزمات ليست في الإصرار على الخطأ، وإنما في امتلاك الشجاعة لمراجعته، وقراءة الواقع كما هو، واختيار وطنهم "اليمن"؛ دولة مدنية متحضرة، تنعم بالأمن والاستقرار، وتقوم علاقاتها مع جيرانها على حسن الجوار والاحترام المتبادل، قبل أن يصبح ثمن المكابرة أكبر من القدرة على تحمله.
الحوثيون.. أخطأوا الطريق وحرقوا الفرص
عمر العمري2 دقائق للقراءةحجم الخط
