عضويات المؤسسات المدنية.. تدوير الأسماء أم تدوير الفرص؟
محمد صالح الحمود4 دقائق للقراءةحجم الخط
ثمة أسماء نراها هنا وهناك؛ عضو في هذه المؤسسة، وعضو في أخرى، وفي مجلس ثالث، وحاضر في منتدى، ومشارك في مهرجان، وربما في أكثر من لجنة ومبادرة في الوقت ذاته!
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل اتسعت دائرة العمل المدني، أم ضاقت دائرة الاختيار؟
المؤسسات المدنية رافد مهم من روافد التنمية وخدمة المجتمع، وقوتها لا تقاس بعدد أعضائها ولا بالأسماء التي تضمها مجالسها، وإنما بما تحققه من أثر. ومن هنا تأتي أهمية أعضاء مجالس إداراتها ولجانها؛ لأن العضو يفترض أن يكون شريكا في التخطيط والعمل والتطوير، لا مجرد اسم يضاف إلى قائمة.
لكن المتابع للمشهد يلحظ تكرار بعض الأسماء في عدد من المؤسسات في آن واحد، حتى بات السؤال مشروعا: هل يستطيع الشخص، مهما كانت خبرته وكفاءته، أن يمنح كل هذه العضويات حقها من الوقت والفكر والعمل؟
المشكلة ليست في الشخص الناجح الذي تستفيد منه أكثر من جهة، ولا في صاحب الخبرة الذي تتنافس المؤسسات على استقطابه؛ فهذه قيمة ينبغي المحافظة عليها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العضوية من مسؤولية وعطاء إلى حضور ولقب، وعندما يصبح تكرار الاسم هو القاعدة، بينما تبقى كفاءات أخرى خارج دائرة المشاركة.
وهنا تقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن تكرار الأسماء لا يعني بالضرورة احتكار الفرص أو انغلاق دائرة الاختيار؛ فالعضوية والترشح لمجالس الإدارات تحكمهما لوائح وضوابط وإجراءات منظمة، تتيح للراغبين التقدم للعضوية وفق شروطها، ولأعضاء الجمعية العمومية المشاركة في اختيار مجالس الإدارات. ومع ذلك، فإن إتاحة التقدم لا تعني بالضرورة اتساع دائرة المشاركة، وهو ما يقود إلى سؤال لا يقل أهمية: هل تتاح للكفاءات الجديدة فرص كافية للانضمام والمشاركة، وهل هناك في المقابل عدد كاف من الكفاءات المستعدة لتحمل مسؤوليات العمل المدني؟
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ فالعمل في كثير من مجالس إدارات المؤسسات المدنية في جوهره عمل تطوعي، يتطلب وقتا وجهدا ومسؤولية، دون أن يكون المقابل المادي هو الدافع إليه. ولذلك قد تعلن بعض المؤسسات المدنية عن فرص العضوية أو الترشح، ثم لا تجد الإقبال المأمول، أو تجد من يتراجع عندما يدرك حجم الالتزام وطبيعة العمل التطوعي. وعندها قد لا يكون استمرار بعض الأسماء نتيجة احتكار للمقاعد، وإنما نتيجة قلة البدائل المستعدة لتحمل المسؤولية.
وهذا لا يلغي أهمية التجديد، بل يجعله أكثر حاجة إلى التوازن؛ فلا يكون بقاء العضو لمجرد أنه كان موجودا، ولا يكون تغييره لمجرد أنه أمضى دورة سابقة. المعيار الأهم هو ما قدمه، ومدى التزامه، وما يمكن أن يضيفه في المرحلة المقبلة. وقد يكون من المناسب أن يرتبط التجديد بمؤشرات تقيس أداء العضو وإسهاماته الفعلية ومدى وفائه بمسؤوليات العضوية؛ حتى لا تتحول إلى حضور شكلي، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام كفاءات جديدة متى وجدت الرغبة والاستعداد.
وقد يكون من المناسب أيضا توسيع دائرة المشاركة والاستفادة من الكفاءات بحسب احتياجات المؤسسة؛ فليس كل من يرغب في خدمة العمل المدني مطالبا بأن يكون عضوا في مجلس الإدارة. يمكن استثمار الخبرات من خلال اللجان المتخصصة، والاستشارات، وفرق العمل والمبادرات التطوعية، بما يتيح مشاركة أوسع ويهيئ قيادات جديدة للمستقبل.
إن العمل المدني لا يحتاج إلى إقصاء أصحاب الخبرة، كما أنه لا يحتمل احتكار الفرص. نحتاج إلى الخبرة، ونحتاج معها إلى الدماء الجديدة؛ نحتاج إلى من يعرف الطريق، وإلى من يستطيع أن يفتح طريقا جديدا. لكننا نحتاج إلى جانب ذلك إلى تعزيز ثقافة التطوع وتحمل المسؤولية، حتى لا نطالب بتجديد الأسماء ثم لا نجد من يتقدم لحمل المسؤولية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار أي عضو أو تجديد عضويته ليس: من هو؟ وكم مرة سبق أن كان عضوا؟ بل: ماذا قدم؟ وماذا سيضيف؟ وما الأثر الذي يستطيع أن يصنعه؟
فالعضويات لا ينبغي أن تتحول إلى أسطر إضافية في السيرة الذاتية، بل يفترض أن تكون كل عضوية شاهدا على إنجاز حقيقي ومسؤولية أديت وأثر تحقق.
المؤسسات المدنية تقوم على خدمة المجتمع، والعضوية فيها ليست وجاهة ولا مقعدا دائما، بل مسؤولية وفرصة للعطاء. ومن هنا، فالقضية ليست في تدوير الأسماء لمجرد التغيير، ولا في إبقائها لمجرد الخبرة، وإنما في توسيع دائرة المشاركة، وتجديد الأفكار، واستقطاب الكفاءات المستعدة للعطاء؛ ففي العمل المدني لا ينبغي أن تكون الأولوية للأقدم ولا للأحدث، بل للأكثر عطاء والأقدر على صناعة الأثر.
