في عالم الأعمال حيث تباع الأحلام في طرود مغلفة بالضوء ويصبح «الفرنشايز» ديدن السالكين، يقف ريادي الأعمال الغض على منصة التفاؤل المفرط يرمق المشهد بعيني عاشق لا ترى إلا الديكورات المذهبة والافتتاحات الصاخبة والتوسع المتسارع الممول بقروض ميسرة تغري بالتحليق قبل تعلم الطيران.

يسانده في هذا الوهم جوقة من «التجار الجدد» ونجوم منصات التواصل أولئك الذين يقاس حجم استثمارهم الحقيقي بعدد "المتابعين" ورسوم "جلسات الاستشارة" لا بنقاء القوائم المالية أو مرارة الخيبات التي يتجرعها الريادي وحده في الميدان.

وفي المساحة ذاتها من هذا السيرك الاستثماري يقف «الجربوع» ذلك الصحراوي الدقيق الذي لم تعمِه زينة البدايات عن واقعية النهايات.

يرقبه بنظرة تجمع بين السخرية اللطيفة والأسى الذكي ليجري بين الجسارة العمياء والحكمة المتأنية هذا الحوار الفكري:

الريادي (بثقة يتطاير منها الشرر):

أنظر إلى هذه الخريطة ! التوسع سينطلق من العاصمة إلى باقي المدن خلال عام واحد، الديكورات ستكون حديث وسائل التواصل والإضاءة مصممة لالتقاط الصور والتسهيلات الائتمانية تتراكم على طاولتي كالهدايا

لقد أكد لي مستشارو المنصات وخبراء "التيك توك" أن السوق يلتهم كل شيء وأن التحوط ما هو إلا فزاعة يبتكرها العاجزون!

الجربوع (يحك شاربيه بتهكم هادئ):

يا عزيزي المأخوذ بلمعان طلاء المبنى وبكلام مدربي "التنمية التجارية" إنك تتحدث عن غزو السماء وأنت لم تؤمن بعد موضع قدمك على الأرض! تفتنك الواجهة البراقة وتستمع لمن يستثمرون في "عداد المتابعين" وبيع الوهم.

أولئك الذين يتقاضون ثمن النصيحة كاشا وينسحبون بنعومة حين تقع الواقعة! التجارة لا تقاس بالمساحات ولا بمديح الحسابات بل بما تستطيع حمايته وقت الضائقة!!

في صحرائي المقفرة لا أستغرق في تزيين مدخل الجحر ولا تغريني سعة صالونه، بل أستنزف كل ذكائي في حفر «منافذ الطوارئ» السرية وتأمين الخروج قبل أن أضع الحصاة الأولى!! الحذر ليس جبنا بل هو غريزة بقاء متقدمة يجب أن يستوعبها كل ريادي قبل أن يخطو خطواته الأولى في سوق تحركه أمواج التغير لا أوهام الحالمين وتنظير الغرباء!!

الريادي (بابتسامة متكلفة):

منافذ طوارئ؟ تخارج؟ تراجع؟ هذه مصطلحات تموت على أعتابها الريادة! (الريادي مفتون شعارات).

نحن نعيش زمن الهبة والمنظرون يملؤون الشاشات بحديث عن قفزات النمو وسهولة القروض، التراجع خيانة للشغف والنمو الهائل يغطي على أي هفوة تشغيلية صغيرة

الجربوع (يهز رأسه بأسى ساخر):

يا لروعة الشغف حين يساق إلى المقصلة بأضواء «النيون» وتحت تصفيق الحسابات.

إنك تعول على زبون اليوم: مزاجي، حساس، يتبع «الهبة» ولا يعرف مفهوم الولاء الدائم والقروض التي تراها أجنحة تحملك ما هي إلا أثقال صلب ستسحبك إلى القاع إن اهتز السوق.

أما هؤلاء المنظرون الجدد فمحفظتهم الاستثمارية هي أرقام المتابعين وجلسات الاستشارة الباهظة، هم يبيعونك خارطة الطريق إلى الهاوية ثم يكتبون عنك "قصة فشل ملهمة" في محتواهم القادم!!

أخذ المخاطر بالخفة والسطحية والاتكاء على النظرية دون تجربة الواقع هو اللعبة المفضلة لمن ينتهون جثثا مالية هامدة على أرصفة الإفلاس!!

أن تدخل السوق بـ«الفكر الجربوعي» يعني ألا تسحر نفسك بالبدايات بل أن ترسم سيناريو التخارج بالدقة نفسها التي ترسم بها سيناريو الافتتاح.

الريادي (بشيء من التردد المكتوم):

ولكن.. أليس رسم خطة التخارج وتأمين المخارج نوعا من الاستسلام المسبق؟ كيف أبني وأنا أفكر في كيفية الهدم أو الهرب؟

الجربوع (ببلاغة صارمة):

أبدا! تجهيز خطة التخارج ليس إعلانا للهزيمة ولا تراجعا عن الطموح بل هو ذروة الحكمة الاستثمارية والتحوط الذكي، فالمقاتل الماهر في ميدان المال والأعمال ليس من يندفع نحو المعركة بصدر عار ليصفق له الحضور، بل من يعرف كيف يحمي ظهره وتظل عيناه معلقتين بمسارات السلامة المالية قبل أن يسدد ضربته التجارية.

دع عنك ضجيج المنظرين وتجار "الدعم المعنوي" واجعل لمشروعك دائما منافذ مرنة تضمن لك السلامة وتتيح لك إعادة التموضع، فالذي ينجو ليس الأكثر ضخامة ولا الأكثر ذكاء بل الأكثر قدرة على التكيف والنفاذ حين يشتد الخناق

إن الفارق بين الريادي الحقيقي والمغامر المقامر يكمن في تلك المساحة الفاصلة بين «جموح الفكرة» و«هندسة النجاة».

الطموح بلا تحوط مجرد انتحار مؤجل يصفق له الجمهور حتى تنطفئ الأضواء. والاستثمار الناجح لا ينتهي عند شريط الافتتاح الأحمر بل يبدأ من قدرتك على الاستمرار صامدا لأنك بكل بساطة.. عرفت من أين تخرج إن أظلمت الجدران.