خلال الأيام الماضية، انتشر خبر علمي استثنائي: ربما يكون الذكاء الاصطناعي قد أسهم في حل واحدة من أشهر المسائل غير المحلولة في الرياضيات، وهي مسألة تتعلق بالمعادلات التي تحكم حركة الموائع.

الطائرات، والتنبؤ بالطقس، وتدفق الدم، وأمواج البحار، والتوربينات، وخطوط الأنابيب، كلها تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قدرتنا على وصف حركة الموائع. وفي قلب كثير من هذه التطبيقات تقع معادلات نافييه–ستوكس، التي بدأت من أعمال كل من كلاود نافييه عام 1822 وجورج ستوكس عام 1845.

في 8 سبتمبر، أعلنت OpenAI أن نظاماً داخلياً قائماً على الذكاء الاصطناعي توصل إلى حل مقترح لمسألة نافييه–ستوكس، إحدى مسائل جائزة الألفية التي تبلغ قيمة جائزتها مليون دولار. ووفقاً لما أعلنته الشركة، شارك في العملية نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي يعملون بصورة منسقة إلى جانب العلماء، واستغرقت عملية الوصول إلى البناء الرياضي المقترح نحو 88 ساعة، مع استخدام قرابة 130 مليار وحدة حاسوبية «Token».

وهنا تظهر مفارقة قد تبدو غريبة لغير المتخصصين: إذا كانت هذه المعادلات واحدة من أعظم المسائل غير المحلولة في الرياضيات، فكيف يستخدمها المهندسون والباحثون كل يوم؟

الإجابة أن هناك فرقاً كبيراً بين أن نحل المعادلات عددياً لمسألة هندسية محددة، وبين أن يبقى الحل الرياضي صحيح في كل الحالات.

فالمهندسون يستخدمون بالفعل حلولاً عددية تقريبية لمعادلات نافييه–ستوكس في تصميم الطائرات، ومحاكاة أمواج البحار، وتحليل التدفقات، وغيرها من التطبيقات. أما مسألة الألفية فتسأل سؤالاً أعمق بكثير: إذا بدأنا بحل منتظم وسلس في ثلاثة أبعاد، فهل سيظل كذلك إلى الأبد؟ أم يمكن أن يصل، خلال زمن محدود، إلى حالة «تفرد» تصبح عندها بعض الكميات المحسوبة غير محدودة؟

هذه هي جوهر مسألة نافييه–ستوكس التي صاغها معهد Clay للرياضيات عام 2000.

لكن الصياغة الرسمية أكثر دقة من هذا التبسيط. فهي تفرض مجموعة من القيود الرياضية، من بينها أن يكون التدفق غير قابل للانضغاط، وأن تبدأ المسألة من بيانات ابتدائية منتظمة، وأن تستمر السرعة والضغط في حالة من الانتظام إذا كان الحل عاماً، مع قيود أخرى تتعلق بالطاقة وطبيعة القوى الخارجية.

تحدد صياغة Clay أربع حالات محددة، A–D: حالتان تسألان عما إذا كانت الحلول المتدرجة موجودة لجميع الأزمنة، وحالتان تسألان عما إذا كان من الممكن بدلاً من ذلك حدوث انهيار في انتظام الحل.

تدّعي OpenAI ، مع وجود تحفظ مهم، بأنها قامت بإثبات لحل صحيح لهذا اللغز في بعض حالاته.
وهنا يأتي التحفظ الأول (أ) الحل المقترح وهو تحفظ فني بحت حيث تم دفع هذا السلوك بشكل خارجي دقيق للمعادلة حتى ينشأ هذا الفشل في الحل.
أما التحفظ الثاني والأهم (ب) فهو أنهم لم يكتشفوا هذا المسار بصورة مستقلة تماما.

فالجهد الذي قاد إلى النتيجة المقترحة استفاد من أعمال بشرية غير منشورة بعد، من بينها أعمال Tristan Buckmaster وLevent Alpöge، اللذين توصلا إلى نتائج تتعلق بحدوث تفرد خلال زمن محدود باستخدام قوة خارجية في معادلات أويلر ثلاثية الأبعاد، إلى جانب نتائج مرتبطة بمعادلات Boussinesq ونماذج الأوساط المسامية.

ومن هنا جرى استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لاستكشاف إمكانية توسيع هذه الأفكار ونقلها وتطويرها إلى مسألة نافييه–ستوكس.

لماذا هذا مثير — ومقلق في الوقت نفسه؟
المسألة الأولى: ربما نكون مقبلين على عصر تستطيع فيه الآلات، في بعض الحالات استكشاف فضاءات رياضية هائلة وبناء براهين أسرع مما يستطيع البشر إنجازه بالطرق التقليدية, مع أن هذا مقلق نوعا ما بحيث يفقد البشرية الدور الرائد في العلوم إلا أن الإمكانات التي يفتحها هذا التطور مثيرة للغاية.

أما الجانب الثاني، وربما الأكثر حساسية مؤسسياً، فهو أن أبحاثاً غير منشورة تمر الآن عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي. وهذا يفتح أسئلة جوهرية حول السرية، والأسبقية العلمية، ونَسب الفضل، وما الذي يمكن أن نعدّه أصلاً «اكتشافاً مستقلاً» في عصر الذكاء الاصطناعي.