كاوست تقود جهدا بحثيا يقدم أدلة جديدة تسهم في بناء نظم غذائية أكثر صحة واستدامة
مكة
ثول4 دقائق للقراءة



جسيكا زامبورين-ميسون
حجم الخط
كشفت دراسة عالمية جديدة بقيادة باحثين من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) عن قيمة غذائية كبيرة للافقاريات المائية، مثل المحار وبلح البحر وسرطان البحر، لم تحظ حتى الآن بما تستحقه من اهتمام.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة نيتشر العلمية (Nature)، أن الإنتاج العالمي الحالي من هذه الأغذية يحتوي على كميات من فيتامين B12 والسيلينيوم تكفي لتلبية ما يعادل الاحتياجات السنوية لأكثر من 5 مليارات شخص، إلى جانب كميات من اليود والزنك والنحاس وأحماض أوميغا-3 الدهنية تكفي لأكثر من مليار شخص.
واستنادا إلى تحليل 30 عنصرا غذائيا أساسيا لصحة الإنسان، تقدم الدراسة أحد أشمل التقييمات حتى الآن لإسهام اللافقاريات المائية في التغذية البشرية، وتوفر أدلة جديدة تؤكد أهمية مراعاة قيمتها الغذائية واستدامتها عند التخطيط لمصايد الأسماك والاستزراع المائي والنظم الغذائية المستقبلية.
يذكر أن نظم الأغذية المائية تقيم عادة بناء على كمية الغذاء التي تنتجها، بدلا من العناصر الغذائية التي توفرها. ويرى الباحثون أن تعزيز فهم القيمة الغذائية لهذه النظم من شأنه أن يضع التغذية في صدارة النقاشات، بما يضمن أن توفر نظم الغذاء المستقبلية أنماطا غذائية صحية، إلى جانب الاستخدام المستدام للموارد البحرية.
وقالت جسيكا زامبورين-ميسون، الباحثة الرئيسة في الدراسة والأستاذ المساعد في علوم البحار في كاوست «لطالما قسنا نجاح نظم الأغذية المائية بحجم إنتاجها بالأطنان، لا بما تقدمه للناس من عناصر غذائية. وتظهر دراستنا أن إسهام اللافقاريات المائية في التغذية أكبر بكثير مما يدركه كثيرون. وعندما نراعي القيمة الغذائية والاستدامة معا في القرارات المتعلقة بمصايد الأسماك والاستزراع المائي ونظم الأغذية المائية عموما، يمكننا إدراك القيمة الكاملة لهذه الأغذية، وتعزيز حماية مواردها وإدارتها على نحو مستدام».
ولإجراء الدراسة، جمع الباحثون بيانات عن التركيب الغذائي لمئات الأنواع من اللافقاريات المائية، وطوروا نماذج تنبؤية لتقدير محتوى العناصر الغذائية في أكثر من 50 ألف نوع يحتمل أن يكون صالحا للاستهلاك البشري. وتتيح قاعدة البيانات الناتجة إدراج الاعتبارات التغذوية ضمن الأهداف الاجتماعية والبيئية الأوسع نطاقا، كما توفر الأدوات اللازمة لوضع اللافقاريات المائية في صدارة النقاشات الراهنة والمستقبلية بشأن الأمن الغذائي.
وستدمج تقديرات العناصر الغذائية التي توصلت إليها الدراسة في قاعدة سي لايف بيس (SeaLifeBase)، وهي إحدى أكبر قواعد البيانات الالكترونية للأنواع البحرية في العالم. وسيتيح ذلك للباحثين وصناع السياسات حول العالم الوصول إلى بيانات جديدة عن القيمة الغذائية للمأكولات البحرية.
وأظهر التحليل أن اللافقاريات المائية توفر مستويات مرتفعة من العناصر الغذائية الدقيقة الرئيسية مقارنة بحصتها من حجم الإنتاج. ففي قطاع الاستزراع المائي، مثلا، لا تمثل اللافقاريات سوى نحو ثلث الإنتاج من حيث الوزن، لكنها توفر أكثر من نصف الإمدادات من عناصر غذائية مثل اليود وفيتامين B12 وفيتامين C والحديد.
وتبين الدراسة أن القيمة الغذائية للمأكولات البحرية لا تعتمد على نوعها فحسب، بل تتأثر أيضا بطريقة تجهيزها. ففي كثير من الحالات، تحتوي 100 غرام من اللافقاريات المجففة على تركيزات معدنية أعلى مقارنة بالوزن نفسه من الأنسجة النيئة، ما يتيح فرصا لتطوير منتجات تحقق أقصى استفادة من محتواها الغذائي، وتسهم في الحد من الهدر.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تمثل دعوة إلى زيادة صيد الأنواع البحرية أو التوسع في استغلالها، بل توفر قاعدة أقوى من الأدلة لمراعاة التغذية والاستدامة معا عند إدارة مصايد الأسماك، أو التوسع في الاستزراع المائي، أو دراسة نظم الأغذية البحرية والمائية.
وأضافت زامبورين-ماسون «لا تتوفر بيانات كافية عن كثير من اللافقاريات المائية حول العالم، كما أن استدامة العديد منها لم تخضع للتقييم بعد. وتؤكد دراستنا ضرورة تعزيز حماية هذه الموارد ورصدها وتقييمها؛ إذ يمكن لها، إلى جانب الأغذية البحرية الأخرى، أن تؤدي دورا رئيسيا في تحقيق الأمن الغذائي في الحاضر والمستقبل».
ويأمل فريق البحث أن تساعد هذه الدراسة الحكومات والقطاع الصناعي والمنظمات الدولية على إدماج الاعتبارات التغذوية بصورة أوسع في السياسات المتعلقة بمصايد الأسماك والاستزراع المائي والنظم الغذائية، إلى جانب تحديد الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والبيانات الغذائية.
وفي ظل سعي الدول إلى بناء نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود، يؤكد الباحثون أن وفرة الإنتاج لا تكفي وحدها؛ فالقيمة الحقيقية للغذاء تكمن أيضا في العناصر الغذائية التي توفرها هذه الأنواع. ومن هنا، فإن بناء مستقبل غذائي أكثر صحة واستدامة يتطلب النظر إلى ما ننتجه، وإلى قيمته الغذائية في آن معا.
