اليمن ومكر المارقين
خالد العويجان4 دقائق للقراءةحجم الخط
دخل مرحلة جديدة. عاد دخان الحرب للواجهة برتم أكثر مما سبق. التمرد تموضع من جديد. توريط البلاد والعباد استراتيجية قديمة. نحت الأزمة هذه المرة منحى إيرانيا صرفا ارتباطا بالظروف الإقليمية الراهنة.
أخذت جماعة الحوثي الإرهابية اليمن خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى مفترق طرق. فتحت جبهة واسعة مع الحكومة اليمنية الشرعية. صوت البندقية أصبح هو الأعلى. رائحة الدم والبارود هي السائدة.
تمخض ذلك عن نفاد صبر اليمنيين على رأسهم من يدير الدولة ويحظى باعتراف دولي. يبدو أنه اتخذ القرار، وخلص إلى ألا مناص من مواجهة أنصار الله بالقوة، ومعاملتهم كثلة خارجة عن القانون، محتلة للدولة، لا كمكون أساسي ضمن شرائح المجتمع اليمني. لماذا؟ لأن ما يحدث في اليمن - أي في أعقاب التصعيد الأخير - يتجاوز مفهوم المناوشات العابرة بينها وبين الحكومة اليمنية؛ ليرسم مؤشرات عودة الحرب إلى مستوى هو الأعنف منذ هدنة 2022.
رأى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أن الحوثي اختار التصعيد. على هذا الأساس؛ يجب أن يتحمل التبعات الإنسانية والأمنية والسياسية. قطع الرجل وعدا باستعادة الدولة، باعتباره خيارا لا عودة عنه.
والعنف الحوثي الأخير، شكل نتيجة استخلصها اليمنيون أنفسهم، والإقليم، وحتى المجتمع الدولي، مفادها ألا حلول سياسية يمكنها أن تضبط إيقاع تطرف الجماعة، واستحالة عزلها عن ارتباطاتها الخارجية، لا سيما مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
بزعمي أن الحوثي يحاول التغطية على أنه بات مكبلا ويعاني عدة معضلات قادته للدخول بمزيد من التخبطات، وفتح أكثر من جبهة على الصعيد الداخلي بمواجهة الحكومة الشرعية، وإقليميا بمهاجمة أهداف مدنية واقتصادية سعودية، مع ممارسة نوع من السعار تجاه مضيق باب المندب.
أعتقد أن أول الأزمات، تتمحور حول تراجع الغطاء الإيراني نظير انشغال طهران بنفسها وبمعاناتها التي أنتجتها الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية. ثانيها: تململ الحواضن الشعبية المؤيدة، التي كانت مضللة بخديعة دفعتها للإيمان بالمشروع المزيف. وهذا ما يشير له ارتفاع أعداد الضحايا من الأبرياء والنساء والأطفال. ثالثها: انكشاف زيف الشعار الذي يتعلق به الحوثي لا من باب القناعات السياسية الخالصة، بل تنفيذا للأوامر والمنهجية الإيرانية التخريبية. أما الأزمة الرابعة وهي الأهم: افتقاد المساندة الدولية، وذا يستطيع المرء استنتاجه من حجم الاستهجان العالمي لتصرفات الجماعة العدائية المتكررة، خصوصا ضد الأراضي السعودية.
السؤال المشروع: من هم حلفاء أنصار الله في المنطقة والعالم؟ إيران وأذنابها من التكتلات المتطرفة في العراق، وحزب الله اللبناني، وحركة حماس فقط. حتى المطبلاتية من العروبيين المعروف رخص قيمتهم لم يناصروهم قط.
وقبل كل ذلك لا بد من الإشارة إلى عدم امتلاك الحوثي مشروعا سياسيا؛ أكثر من الشعارات التي ركبها وحولها لحصان طروادة لتأصيل وجوده، كحمل قضية الشعب الفلسطيني؛ وتحرير القدس. وهذا يفترض سؤالا منطقيا: هل تخليص الأراضي الفلسطينية المحتلة، يمر بأبها ونجران وجازان وخميس مشيط؛ أو مثلا بمكة المكرمة التي سبق أن طالتها آلة غدره قبل سنوات؟
أتصور أن هذا السلوك الإجرامي ليس ابتكار الأمس واليوم، بل ذو جذور تاريخية، تقودنا للعودة للوراء، لاستذكار الأيديولوجية التي ساقتها ولاية الفقيه، وخدرت عبرها العقل الجمعي العربي، لخلق كتل اجتماعية مساندة لها تكتسب من خلالها شرعيتها؛ بأنها ماضية في معركتها ضد الشيطان الأكبر وصولا لتحرير القدس، الذي يجب أن يمر بدمشق؛ أو كما كرس له روح الله الخميني مطلع الثمانينيات، بعد أن أسقط نظام الشاه، واستولى على الحكم بانقلاب ديني مدعوم من الغرب، بأن طريق القدس «يمر بكربلاء» في العراق.
لقد فتح أولئك التافهون على أنفسهم أبواب جهنم في الجوف، ومأرب، وتعز والحديدة والضالع والمخا، وهي مناطق حساسة وذات ثقل اجتماعي وجغرافي كبير، يؤطر لأرضية صلبة لرافضي انقلابهم سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ويضع استعادة العاصمة صنعاء وتحرير مناطق البلاد كافة من براثن احتلالهم هدفا لا يمكن الحياد عنه.
أما من الناحية الدولية والإقليمية، وبما أن المملكة معنية بأمن باب المندب، بالضرورة النظر لتصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الذي قال قبل أيام من العاصمة الروسية موسكو، إن الحوثي فتح على نفسه بابا لا يحتمله. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المملكة إذا وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن نفسها؛ وعن الملاحة الدولية المرتبطة بموانئها ومصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر لن تتردد. هذا أولا. ثانيا: أن أي رد سعودي سيكون عبر عمليات قاصمة من شأنها فرض واقع جديد، مقرون بدعم الحكومة الشرعية لوجستيا واستخباريا وعسكريا. حينها سيتبخر التعويل على الحلول السياسية، وستلعن الجماعة اللحظة التي فكرت فيها بتوسيع رقعة مراهقاتها ورهاناتها التخريبية وغير المحسوبة.
إن الصورة القادمة من هناك ليست وردية. ولا مبشرة بانتصار طرف على آخر. فالحرب جولات. هي معادلة صفرية. ما يكسبه الأول يخسره الثاني. وما يخسره الثاني يكسبه الأول.
رغم كل ذلك، ما يهمني ويهم العقلاء بالدرجة الأولى؛ ضرورة تخليص اليمن.. من مكر المارقين.
