أولويات الأمة.. من أين نبدأ؟
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
ليست مشكلة الأمة الإسلامية اليوم في قلة القضايا التي تستحق الاهتمام، بل ربما في كثرتها؛ فالتعليم أولوية، والاقتصاد أولوية، والتقنية أولوية، والأسرة أولوية، والصحة أولوية، والثقافة أولوية، وغيرها كثير؛ وإذا أصبح كل شيء أولوية، فقد نفقد معنى الأولوية نفسه؛ لأن الأولويات لا تعرف بكثرتها، وإنما بقدرتنا على ترتيبها، ومعرفة ما يتقدم منها وما يتأخر، وما هو أصل أو فرع.
مؤخرا، عقد في المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة المؤتمر العام التاسع عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي: «أولويات الأمة في الخمس والعشرين سنة القادمة (2026–2050)»، والذي أختتمت أعماله بنجاح بالغ الجمعة الماضية، وكان اختيار موضوعه موفقا في توقيته واتساعه؛ إذ فتح المجال للنظر في قضايا الأمة المعاصرة وما تحتاج إليه في المرحلة المقبلة؛ غير أن السؤال عن الأولويات لا يقف عند تحديدها، بل يمتد إلى ما هو أصعب، وأقصد، بأي ميزان نرتبها، ومن أين نبدأ؟
الحاجة ماسة إلى ميزان للأولويات، لا إلى قائمة جديدة تضاف إلى القوائم، وفي تراثنا المقاصدي ما يساعد على بناء هذا الميزان؛ فالفقه بالمقاصد لا يعلمنا معرفة المصالح فحسب، بل ترتيبها عند التزاحم، والنظر في آثارها ومآلاتها؛ وفي هذا المعنى يقرر الشيخ ابن تيمية أن «تمام الورع أن يعم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين»؛ فحسن الاختيار لا يكون دائما بين خير وشر، وإنما قد يكون بين مصلحتين لا نستطيع الجمع بينهما، أو مفسدتين لا نستطيع دفعهما معا، وهذا الميزان نفسه هو ما يرشدنا إلى موضع البداية؛ فإذا كانت الأولويات كلها متزاحمة، فالأولى البدء بما تتفرع عنه بقية الأولويات، لا بما يقف بجانبها.
من هذا المنطلق يبدو أن بناء الإنسان ينبغي أن يتقدم في سلم الأولويات؛ فالاقتصاد والتقنية والمؤسسات والأنظمة، على أهميتها، تظل أدوات يديرها الإنسان، ومقدار صلاحها من مقدار صلاحه، وإذا أردنا بناء الإنسان، فإن التعليم والدِين يبدوان من أهم المداخل؛ فبالتعليم يبنى العقل، وبالدين يضبط المعنى، ومن العقل والمعنى تتشكل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى غيره وإلى الحياة، وفي هذا البناء لا معنى للمفاضلة بين التربية والمقاصد؛ فالتربية تكون بالمقاصد، وإعمال المقاصد يكون بالتربية، وميزان الأولويات لا يعني دائما أن نقدم شيئا ونؤخر آخر، فقد تكون الأولوية في إدراك أن بعض الأمور لا تستقيم إلا باجتماعها.
أختم بالتأكيد على أن التعليم نفسه يحتاج إلى مراجعة، ولا سيما أن أبرز ما نواجهه في كثير من مجتمعاتنا هو هيمنة التلقين، والغفلة عن أن الانتقال المطلوب ليس من الجهل إلى المعرفة فحسب، وإنما من حفظ المعرفة إلى إنتاجها؛ وفي مسار يتكامل مع التعليم، يأتي الدين مصدرا للمعنى والقيمة والاتجاه؛ والخطاب الديني يحتاج كذلك إلى انتقال من الانشغال بالجزئيات إلى استحضار المقاصد الكبرى، وخاصة أن المشكلة ليست في حضور الدين في حياة الناس، وإنما في طريقة فهمه وتوظيفه، وفي إغراق الخطابات في الجدل والخلافات، وفي عدم التنبه إلى أن الشريعة كما لخصها الشيخ ابن القيم: «عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها»؛ فالدين حين يفهم في ضوء مقاصده لا يعزل الإنسان عن الحياة، بل يمنحه ميزانا يحسن به التعامل معها، ويضبط به العقل والفهم؛ فالعقل الذي اعتاد التلقين قد يحمل التلقين معه إلى العمل والمجتمع، والفهم الذي يفقد ميزان المقاصد قد ينقل اضطرابه إلى بقية شؤون الحياة؛ وليس مهما كم أولوية لدينا؟ إنما الأهم هو بأي ميزان نرتبها؟
