مر شهر على وفاة والدي الغالي، الشيخ غازي بن مسلم اللحياني، وكأنه دهر كامل. رحل أبي مستعجلا، خفيفا، مقبلا على لقاء الله ومحبا له. رحل تقيا، نقيا، وفيا لكل من لاقاه، وقد عرف بين الناس بنقاء النفس، وحب العلم، وطيب الكلام، وصدق التوكل، وعظيم الصبر. كان رحمه الله تعالى واصلا لرحمه، بارا بأهل ود والديه، مدرسة تربوية تطبيقية عشنا في كنفها وتحت ظلها؛ هو القنديل الأول الذي أضاء لنا دروب الحياة والعلم، كان لا يفتأ يذكرنا صباح كل يوم في طريقنا إلى المدرسة بقول أمير الشعراء:

العلم يبني بيوتا لا عماد لها... والجهل يهدم بيت العز والكرم

عاش والدي ولم يحظ بتعليم رسمي، لكنه حمل شهادة من "جامعة الحياة"، التي استطاع بوعيه وفطنته - بعد توفيق الله - أن يمنحنا من خلالها ما حرم منه. فلم يدخر جهدا في سبيل تعليمنا، وحرص على نيلنا أرفع الشهادات، معوضا إيانا عما حرمه القدر منه.

ثم شاء الله عز وجل أن يصاب والدي بمرض عضال، فتحول مرضه إلى درس متجدد علمنا فيه معنى الصبر والتوكل الحقيقي على الله. فمنذ أن تلقى الخبر قبل عام ونصف تقريبا، لم يزد على أن حمد الله تعالى وشكره على ابتلائه، وسأله سبحانه الصبر والثبات. وأخذ بالأسباب وسعى للحفاظ على نفسه وجسده كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، وظل يتردد على المستشفى بين فينة وأخرى، متحملا الآلام والتعب دون أن يشعرنا بنزر منها، وفي كل موقف كنا نزداد علما من مدرسة صبره وتوكله.

إلى أن حانت المنية، ووقفنا بين يديه لا نملك له إلا الدعاء، والبحث عن سائر السبل التي تريحه وتخفف من آلامه، وإذا به ينطق بالشهادة قائلا: "لا إله إلا الله، اللهم أحمدك وأشكرك"، وكأنه رأى في تلك اللحظات ما يرجو كل مسلم أن يراه.

وفي فجر يوم الجمعة، الرابع والعشرين من شهر صفر لعام 1448هـ، انتقلت روحه الطاهرة إلى جوار ربها. وشهدت جنازته صلاة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة؛ أرض مولده، وعيشه، ووفاته. وقد وافق ذلك اليوم التاريخي توقيع اتفاقية "حلف مكة الدفاعي" بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية، فاجتمعت قامات سياسية وقيادية وعلمية بارزة في رحاب الحرم المكي، شهدوا وداعه والصلاة عليه وعلى أموات المسلمين؛ وهو الذي لطالما كان محبا لدينه، مخلصا لوطنه وقيادته الرشيدة.

فسلام على روحك الطيبة يا أبي... نعدك بأن نسعى جاهدين لنحذو حذوك، وأن يطيب غرسك الذي غرست فينا وفي أحفادك وأسباطك من بعدك.

وعزاؤنا أن لنا في الفردوس الأعلى لقاء، حيث لا موت ولا حزن.

{إنا لله وإنا إليه راجعون}.