لم تعد الرياضة حكرًا على الجسد البشري، كما لم يعد الذكاء الاصطناعي حبيس الشاشات والمختبرات؛ ففي الرياض، بدأت الروبوتات البشرية دخول الحلبة بوصفها طرفًا جديدًا في المنافسة، مع إطلاق «سايبر هيرو» (CyberHero)، أول دوري عالمي للرياضات الروبوتية البشرية، في تجربة تجمع الرياضة بالتكنولوجيا والترفيه، وتفتح نافذة على شكل جديد من المنافسات التي قد تصبح جزءًا من المشهد الرياضي العالمي.
ومن العاصمة السعودية، دشنت هيرو إي سبورتس (Hero Esports) أولى فعاليات «سايبر هيرو»، إيذانًا بموسم افتتاحي تخطط الشركة لإقامته في ثماني مدن حول العالم، موزعة على أربع مناطق رئيسية: الشرق الأوسط وأوروبا والأمريكتان وآسيا، مع محطتين في الشرق الأوسط. وتتمثل الرؤية الأوسع في إخراج الذكاء الاصطناعي المادي (Physical AI) من المختبر إلى ساحات المنافسة، واستخدام الرياضة لاستكشاف الكيفية التي يمكن أن يعمل بها الإنسان والذكاء الاصطناعي والروبوت جنبًا إلى جنب.
واستضاف MBC Studio 1 في بوليفارد سيتي فعالية «CyberHero × Riyadh»، التي مثلت الظهور المباشر الأول للمبادرة، وشهدت أول فعالية للكيك بوكسينغ بين الروبوتات البشرية في الشرق الأوسط، بمشاركة عشرة روبوتات من طراز EngineAI T800، في عرض صُمم ليجمع المنافسة الروبوتية بالموسيقى والإضاءة والترفيه الحي.
وتكتسب التجربة أهميتها من كونها تقدم تعريفًا جديدًا للرياضات الروبوتية؛ فالروبوت هنا ليس مجرد آلة تستعرض قدرتها على الحركة، بل لاعب يدخل الحلبة ضمن نظام تنافسي، فيما يظل الإنسان جزءًا أساسيًا من المعادلة عبر التحكم واتخاذ القرار. وبذلك تتحول المنافسة إلى اختبار مزدوج لقدرات الآلة ومهارات الإنسان في الحركة والتوازن وسرعة الاستجابة والاستراتيجية.
ويبلغ طول روبوت EngineAI T800 نحو 1.73 متر، ويتراوح وزنه بين 75 و85 كيلوجرامًا، ويضم 29 مفصلًا متحركًا تمكنه من المشي والجري واللكم والركل والدوران والنهوض بعد السقوط. وكانت شركة EngineAI قد أقامت في شنجن، في 16 يوليو الماضي، فعالية افتتاحية لدوري القتال الخاص بروبوتات T800، فيما وصلت الروبوتات إلى الرياض بحزمة قتالية مطوّرة، أتاحت للجمهور مشاهدة مجموعة جديدة من حركاتها وقدراتها.
ولـ«سايبر هيرو» نظام منافسة واضح؛ إذ يتواجه فريقان يضم كل منهما ثلاثة روبوتات في سلسلة من النزالات الفردية، وفق نظام الأفضل من سبع جولات. ويبدأ كل روبوت برصيد 30 نقطة حياة، تنخفض بحسب موضع الضربات التي يتلقاها، وتنتهي الجولة بعد ثلاث دقائق أو عند وصول رصيد الروبوت إلى الصفر، فيما يُستبدل الروبوت الخارج بآخر دون استعادة النقاط بين الجولات، ويُحسم التعادل بجولة فاصلة.
وهنا تبرز رؤية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن سلطان آل سعود، رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، الذي رحّب باختيار الرياض نقطة انطلاق للمبادرة، مؤكدًا أن التجربة تقدم نموذجًا جديدًا يمزج بين المنافسة والتكنولوجيا والتجربة الجماهيرية.
وقال سموه: «أرحّب بحرارة باختيار هيرو إي سبورتس لمدينة الرياض لاستضافة أولى فعاليات سايبر هيرو. ويعكس هذا الاختيار شغف جماهيرنا والتزام المملكة العربية السعودية المستمر بتطوير قطاع الرياضات الإلكترونية، بوصفه قطاعًا مزدهرًا وخيارًا ترفيهيًا متناميًا».
وتتجاوز دلالة هذا الاختيار حدود استضافة فعالية جديدة؛ فالرياض، وفق هذه الرؤية، لا تستقبل تقنية ناشئة فحسب، بل توفر لها منصة جماهيرية عالمية، وتضع الشباب والمواهب والشركات أمام مجال جديد يتقاطع فيه الابتكار مع الرياضة والترفيه. وهو ما ينسجم مع التحول الأوسع في مفهوم الرياضات الإلكترونية، من منافسات رقمية إلى صناعة تمتد نحو التجارب الحية والتقنيات المتقدمة.
وتؤكد داني تانغ، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لهيرو إي سبورتس، أن «سايبر هيرو» تمثل رؤية لمستقبل المنافسة، تقوم على اختبار قدرات الروبوتات وتطويرها بالاستفادة من البيانات التي تنتجها المنافسات. وتعمل الشركة على تأسيس مختبر عالمي للتكنولوجيا في مقرها الرئيسي بمدينة شنغهاي، بهدف جمع الخبرات التقنية والمواهب من مختلف أنحاء العالم ودفع الابتكار في قطاع الروبوتات.
ولم تأتِ الرياض مصادفة في هذه الخريطة؛ فقد أكدت تانغ أن المملكة تمثل سوقًا مهمة في خطط الشركة المستقبلية، وأن اختيار العاصمة السعودية يرتبط بموقعها بوصفها نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ومركزًا يمكن أن يجمع التكنولوجيا والمواهب والأفكار من مناطق مختلفة من العالم.
وفي امتداد لهذه الرؤية، تعتزم «هيرو إي سبورتس» إطلاق برنامج CyberHero السعودي–الصيني للطلاب، بهدف بناء جسور بين المواهب الشابة ومنظومات الروبوتات في البلدين. وفي مرحلته الأولى، سيتيح البرنامج لما يصل إلى 30 طالبًا سعوديًا زيارة الصين، والتعرف عن قرب إلى منظومة الروبوتات والذكاء الاصطناعي المادي، من خلال زيارات تشمل شركات روبوتات ومؤسسات تقنية وبحثية في ثلاث مدن صينية.
كما تمتد التجربة إلى ما هو أبعد من الحلبة؛ فقد صممت «سايبر هيرو» فضاءً غامرًا يجمع الإضاءة والصوت والعروض الحية بالمنافسة، فيما أضاف حضور منتج الموسيقى الإلكترونية والـDJ العالمي Tokyo Machine بعدًا ثقافيًا وترفيهيًا يستحضر العلاقة المتنامية بين الألعاب والموسيقى والتقنية وثقافة الشباب.
وتستفيد «سايبر هيرو» في هذا التوسع من خبرة «هيرو إي سبورتس»، التي تقول إنها تنظم أكثر من 7 آلاف منافسة للرياضات الإلكترونية سنويًا، وتصل إلى أكثر من 800 مليون مشجع حول العالم، فيما تشمل محفظتها بطولات وألعابًا عالمية، وتدعمها «Savvy Games Group» و«Tencent».
وهكذا، تبدو «سايبر هيرو» أكبر من مجرد مواجهة بين روبوتات؛ إنها محاولة لبناء فئة رياضية جديدة عند تقاطع الذكاء الاصطناعي المادي والرياضات الإلكترونية والترفيه الحي. وفي الرياض تحديدًا، تتقاطع هذه التجربة مع سياق أوسع يجعل الفعاليات التقنية والرياضية جزءًا من هوية المدينة وتجربتها السياحية، حيث لا يأتي الزائر لمشاهدة المنافسة فحسب، بل لمعايشة تقنية وهي تنتقل أمامه من المختبر إلى الحلبة.
ومن الرياض إلى المدن العالمية الثماني المستهدفة، يحمل المشروع سؤالًا يتجاوز النتيجة ومن يفوز: إذا كانت الرياضة مرآة لقدرات الإنسان، فكيف ستتغير هذه المرآة عندما تصبح الآلة شريكًا في المنافسة؟
قد تكون «سايبر هيرو» واحدة من البدايات المبكرة للإجابة؛ فالروبوت لم يعد مجرد صورة للمستقبل، بل دخل الحلبة، وأصبح للإنسان دور جديد: أن يصمم الذكاء، ويدربه، ويتحكم فيه، ثم يضعه أمام الجمهور في اختبار حي.
«سايبر هيرو».. الرياض تطلق رياضة المستقبل إلى العالم
وائل سعود العتيبي - الرياض5 دقائق للقراءة





حجم الخط
