تتوسط منطقتنا ما بين ثلاث قارات (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، وهي عمق وامتداد واحد من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية، حيث أمن الرياض والقاهرة مرتبط بأمن بغداد ودمشق، والصراعات التي جرت في سوريا وليبيا والسودان أدت إلى ضغوط كبيرة على الأردن ولبنان ومصر، ودول المنطقة كتلة متميزة تتشابك مصالحها السياسية، وتمثل ما بينها قدرات اقتصادية كبيرة: فالجزيرة العربية تمتلك رأس المال ومصادر الطاقة، بينما تمتلك دول أخرى القوى البشرية والوفرة المائية والأراضي الزراعية.

وللمنطقة عمق ثقافي وإنساني غير عادي، وأغلب سكانها من الشباب، وتمتلك مقومات القوة والنهضة الذاتية كافة. ويرى بعض كبار المفكرين مثل أرنولد توينبي Arnold Toynbee، أحد أهم المؤرخين والفلاسفة في القرن العشرين، وجون ميرشايمار John Mearsheimer، أحد أبرز العلماء المعاصرين في مجال العلوم السياسية، أن المنطقة يمكنها أن تصبح قوة عالمية.

وإسرائيل مستعمرة استيطانية تم زرعها في قلب المنطقة، وهي تقوم على التمييز العنصري والتطهير العرقي واغتصاب الأرض والدعاية المضللة (البروباغاندا propaganda) التي تجرد الضحايا من إنسانيتهم وتحرض على العدوان وارتكاب الفظائع: وجميعها جرائم بموجب القانون الدولي.
وإسرائيل تضع الفلسطينيين تحت حكم عسكري يمارس أبشع صور الظلم والبطش، ثم تدعي "الديمقراطية"! وتدمر ما حولها، ولا تلتزم بأي قيود قانونية أو إنسانية، ثم تدعي أنها "الضحية"!

ومنذ عام 2019 تبنت إسرائيل وثيقة استراتيجية سياسية وعسكرية تسمى Clean Break، بمعنى "قطيعة تامة": وهي وثيقة محورها التخلي التام عن اتفاق أوسلو المبني على حل الدولتين، ورفض إعادة الجولان إلى سوريا، وإسقاط الأنظمة المعادية، وإعادة تشكيل المنطقة بما يضمن الهيمنة الإسرائيلية الكاملة.

فمشروع إسرائيل ليس هدفه أرض فلسطين وحدها، بل هدفه "إسرائيل الكبرى": من النيل إلى الفرات.

و"إسرائيل الكبرى" لا يمكن بناؤها دون هدم دول المنطقة. لكن المشروع الإسرائيلي لا يمكنه هدم تلك الدول دفعة واحدة، لذلك يتم هدمها دولة دولة، بينما تستهدف المنطقة جزءا جزءا: وادي النيل، بلاد الشام، إلخ.
وهذا الهدم التدريجي - وبمختلف الصور - مع تناول الإعلام الدولي لما يجرى كأحداث منفردة، يشتت انتباه الكثيرين ويفقدهم الوعي بخطورة الوضع الذي تعيشه المنطقة كلها، وأن الجميع يواجه التحدي الوجودي ذاته.

وهنا نأتي إلى الحرب الأخيرة: لأنها حرب لا يمكن تبريرها أو تفسيرها بناء على ما كان يردده الإعلام الدولي، وأولها أن الحرب لا بد منها لأن إيران كانت تعمل على بناء سلاح نووي، بينما أكد مجتمع الاستخبارات الأمريكي The United States Intelligence Community أن إيران لم تكن تعمل على بناء سلاح نووي، وأن الضربات العسكرية في يونيو/حزيران 2025، قضت على المنشآت النووية الرئيسية، كما أكد أن إيران لم تعد بناء برنامجها النووي منذ ذلك الوقت، كما أقرت بذلك تولسي غابارد Tulsi Gabbard، مديرة المخابرات الوطنية Director of National Intelligence، عند شهادتها أمام مجلس الشيوخ الأمريكي في 25-3-2025.

وإذا كان الهدف - كما ردد الإعلام الدولي أيضا - هو إسقاط النظام الإيراني، فسوف نجد أن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي National Intelligence Council، وهو الهيئة العليا للتحليل الاستراتيجي التابعة لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، كان قد أكد أن شن هجوم عسكري واسع النطاق لن يؤدي إلى إسقاط النظام. بل حذرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA أن ذلك يعزز قوة المتشددين ويزيد من نفوذ "الحرس الثوري الإيراني"، كما حصل بالفعل.

أما إذا كان الهدف هو الحد من تخصيب اليورانيوم لمنع إيران من بناء سلاح نووي مستقبلا، فقد كانت هناك مفاوضات على وشك توقيع اتفاق تتجاوز بنوده اتفاق عام 2015، بما يشمل تخفيض التخصيب والتزام إيران بتفعيل "البروتوكول الإضافي" للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والموافقة على مبدأ "المخزون الصفري" Zero Stockpile، والتفتيش المفاجئ.

وقد حضر المفاوضات كل من جوناثان باول Jonathan Powell، مستشار الأمن القومي البريطاني UK National Security Adviser، ووزير خارجية عمان: بدر البوسعيدي، وكلاهما أدليا بتصريحات تؤكد أن المفاوضات كانت ستؤدي إلى تجنب الحرب.

وأخيرا، إذا كان الهدف هو فتح مضيق هرمز، فقد كان المضيق مفتوحا بلا قيود ما قبل الحرب.
فالحرب بدأت بهدف منع سلاح نووي غير موجود، وانتهت بهدف فتح مضيق كان مفتوحا!

والأهداف الأخرى المعلنة للحرب إما أنه لم يكن بالإمكان تحقيقها عن طريق الحرب، أو أنه لم تكن هناك حاجة للحرب لتحقيقها، فلا بد أن هناك أهدافا أخرى (غير معلنة) من وراء هذه الحرب.. خاصة أن هذه الحرب تخطط لها إسرائيل منذ عقود، حتى تحقق أهدافا محددة.
وحتى نفهم تلك الأهداف فإن علينا أن ننظر إلى النتائج التي كانت متوقعة من الحرب:

فقد كان معلوما أن إيران خططت لاستهداف منشآت ومصالح دول مجلس التعاون في حال اندلاع الحرب، كما شهد بذلك جون راتكليف John Ratcliffe، مدير المخابرات المركزية CIA، عند استجوابه في مجلس النواب الأمريكي في شهر مارس/آذار من هذا العام.

وتعرض دول مجلس التعاون لعدوان غير مبرر يسهل استدراجها للوقوع في فخ المشاركة في الحرب على إيران، حتى تتحول إلى حرب إقليمية مدمرة للطرفين المتقاتلين على جانبي الخليج.

والأهم بالنسبة لإسرائيل أن إطالة أمد الصراع مع تعرض القواعد الأمريكية للقصف وعدم قدرة أمريكا على حماية دول الخليج يكشف عدم فعالية التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، ويجعله عبئا على أمريكا والدول المضيفة معا، وعندها يصبح لا بد من بديل للمظلة الأمريكية في المنطقة.

كما أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للعام السابق 2025 National Security Strategy، واستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية للعام الحالي 2026 National Defense Strategy، كلاهما ترى أن المنطقة لم تعد تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لأمريكا، وهو ما تؤكده غيرها من الدراسات الاستراتيجية.

لذلك فإن صعوبة أمريكا في الدفاع عن قواعدها في المنطقة، مع تكلفة حماية القواعد والخسائر التي تتكبدها أمريكا والدول المضيفة... كل ذلك يدعم التوجه إلى تخفيف التواجد الأمريكي في المنطقة، ما قد يفقد أمريكا الهيمنة على الشرق الأوسط Middle East Dominance، وهو ما تعتقد إسرائيل أنه يتيح لها الفرصة حتى تصبح القوة المهيمنة إقليميا regional hegemon.
كما كان معلوما أن إيران سوف تغلق مضيق هرمز إذا قامت الحرب. كما أشار الكاتب عبد الرحمن الراشد في مقال بعنوان: "متى يمكن إخراج القواعد الأمريكية؟"، وجاء فيه "أن تغلق إيران مضيق هرمز كان احتمالا متوقعا وموجودا في كل سيناريو حرب محتملة معها".

ومضيق هرمز يمر عن طريقه ما لا يقل عن 20% من إمدادات النفط والغاز المسال على مستوى العالم.

وبينما يمثل إغلاق المضيق تهديدا للاقتصاد العالمي، إلا أنه - من وجهة نظر إسرائيلية - يمثل فرصة لمحاولة السيطرة على أهم سلسلة توريد للطاقة في العالم، من خلال تسويق مشروعها لتجاوز مضيق هرمز وتصدير نفط الخليج من خلال خط أنابيب ينتهي بميناء إسرائيلي.

وكذلك كان متوقعا أن الحوثيين سوف يغلقون مضيق باب المندب. ومع إغلاق المضيق واستهداف السفن العابرة، تتحول قناة السويس من طريق آمن ومعتمد للتجارة الدولية إلى طريق غير مرغوب ومحفوف بالمخاطر. وهو ما ترى إسرائيل أنه يمثل فرصة لمشروعها "الممر الاقتصادي ما بين الهند والشرق" India–Middle East–Europe Economic Corridor، الذي يتخطى قناة السويس ومضيق باب المندب، ويجعل من إسرائيل بوابة رئيسية على البحر الأبيض المتوسط للتجارة ما بين الشرق والأسواق الأوروبية.

وقد كانت إسرائيل حريصة على أن تبدأ الحرب بحملة اغتيالات للقيادات الإيرانية التي كان يمكن التفاهم معها: مثل علي شمخاني، أمين مجلس الدفاع الإيراني، الذي وصفه الرئيس ترامب بأنه "شخص يمكن التفاهم معه"، وكان له دور كبير في صياغة الاتفاق السعودي - الإيراني عام 2023، وكذلك اغتيال علي لاريجاني، كبير المفاوضين في الملف النووي، والمعروف بأنه كان تكنوقراطيا يفضل الدبلوماسية والتسويات الهادئة على الشعارات.

وهدف إسرئيل من هذه الاغتيالات هو تدمير قنوات التفاوض ما بين أمريكا وإيران، وإحداث فراغ في السلطة يفقد أمريكا الشريك الموثوق لإبرام الاتفاقيات، وبالتالي يقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية ويؤدي إلى إطالة أمد الحرب، التي كلما طالت تصبح إسرائيل أقرب إلى تحقيق أهدافها.
كما أن هذه الاغتيالات تسهل صعود المتشددين مثل أحمد وحيدي وعلي باقري وغيرهما من قيادات تؤيد العدوان على دول مجلس التعاون، ما يسهل توسيع الصراع من مواجهة إسرائيلية - أمريكية مع إيران إلى حرب إقليمية تأخذ طابعا دينيا، وتدمر المنطقة.

إن شعار الموساد هو "بالخداع تصنع الحرب" by way of deception thou shalt do war، وقد خدعت إسرائيل أمريكا بمعلومات استخباراتية مضللة. والاعتقاد السائد هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ورئيس جهاز الاستخبارات (الموساد) ديفيد بارنيا David Barnea، تمكنا من إقناع الإدارة الأمريكية أنه ليست هناك مخاطر ذات شأن في هذه الحرب، وحتى إن وجدت مخاطر، فهي محدودة للغاية: مدعين أن القدرات الإسرائيلية والأمريكية كفيلة باعتراض أي رد إيراني، وأن إيران لن تجرؤ على إغلاق مضيق هرمز خوفا من الرد الأمريكي، وأن الحرب لن تطول لأن إيران لا تتحمل حربا طويلة، وأن الهجوم الكاسح على إيران يعجل بسقوطها، والشعب الإيراني هو الذي سوف يتولى إسقاط النظام.. إلخ.

وأن كل ذلك سوف يكون إنجازا عظيما للإدارة الأمريكية في فترة ما قبل الانتخابات النصفية القادمة midterm elections... فتم خداع الإدارة الأمريكية حتى تدخل في حرب في غير صالحها، وفيها كل المصلحة لإسرائيل.
وبذلك أدخلت أمريكا في حرب يصعب الفوز فيها - أو الخروج منها - وتزيد من أزمة ديونها: وقد تتجاوز تكلفة الحرب تريليون دولار، كما أشارت ليندا بلمز Linda Bilmes، أستاذة "المالية العامة" في جامعة هارفارد Harvard Kennedy School public finance professor، والمتخصصة في مجال ميزانيات الحروب.

وقد كشفت الحرب حدود قوة أمريكا، واستنزفت ذخائرها ودفاعاتها الصاروخية، وخفضت مخزونها الاستراتيجي من النفط، وعززت نفوذ الصين، وزادت أطماع إيران في السيطرة على مضيق هرمز.

كما خلقت شرخا ما بين أمريكا وبين وحلفائها، وهو هدف إسرائيلي أيضا: لأن زعزعة ثقة حلفاء أمريكا في جدوى التحالف تفتح ثغرة تدخل منها إسرائيل بذريعة مساعدتهم أمنيا، وبذلك تتغلغل في تلك الدول وتوسع نفوذها، كما نرى من تصاعد نفوذ إسرائيل في دول أمريكا الجنوبية من خلال "الدعم الأمني والتكنولوجي".

وهي فوق ذلك حرب مرفوضة أمريكيا: وهناك وعي شعبي متزايد بأن أمريكا تم خداعها للدخول في حرب غير مجدية وفي غير مصلحتها، وأنها حرب رفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية وزادت الضغوط على المواطن، وكان من الأولى أن تستخدم تكلفتها للتعليم والرعاية الصحية وخدمة المواطن.

والأخطر أن الحرب مكنت إسرائيل من مضاعفة قدراتها العسكرية والاستخباراتية من خلال الضغط على مجلس النواب الأمريكي لاعتماد قانون "تفويض الدفاع الوطني National Defense Authorization Act" الذي يدمج إسرائيل عسكريا وتكنولوجيا واستخباراتيا في منظومة الدفاع الأمريكية، وتفرض إحدى مواده (المادة 219) منح إسرائيل الأسلحة والابتكارات العسكرية الأمريكية (بشكل تلقائي) دون الحاجة إلى موافقات أمنية أو مناقشات سياسية، ما يمثل خطورة على أمريكا ذاتها.

ولا ننسى أن الحرب عرضت الاقتصاد الدولي إلى مخاطر كبيرة.. وكلما طالت الحرب ازدادت المخاطر والخسائر لإيران وأمريكا.. والعالم كله!
وفي كل خسارة تلحق بالآخرين.. فائدة لإسرائيل!
ولن تتوقف إسرائيل عن فعل كل ما في وسعها لإطالة أمد الحرب.. ولن تتوقف عن إشعال الحروب حتى تحقق أهدافها.