أحيانا لا يتحدث الجسم بالكلمات، بل يرسل رسائله عبر سلوكيات تبدو عادية للوهلة الأولى، ومن هذه الرسائل الرغبة الملحة للأطفال في تناول ومضغ الثلج والبحث عنه بصورة متكررة طوال اليوم، وهذا السلوك قد يراه البعض مجرد تصرف طفولي بريء، ولكن الحقيقة أن الأدلة الطبية تشير إلى أن هذه العادة قد تكون مفتاحا لاكتشاف نقص الحديد أو مشكلات غذائية أخرى، الأمر الذي يجعل ملاحظتها وفهم أسبابها خطوة مهمة للحفاظ على صحة الطفل.

والواقع أن هذا السلوك يعرف طبيا باسم «الباجوفاجيا»، وهو أحد أشكال اضطراب «البيكا» الذي يتمثل في اشتهاء تناول أشياء قد تكون غريبة ولا تحمل قيمة غذائية مثل الثلج أو التراب أو الطباشير أو الورق أو حتى الشعر، وقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام كبير من الباحثين خلال العقود الماضية بسبب ارتباطها المتكرر بنقص الحديد في الجسم، إذ تشير تقارير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن اشتهاء تناول ومضغ الثلج بشكل متكرر في اليوم يعتبر من الأعراض المعروفة لنقص الحديد لدى الأطفال واليافعين.

وأظهرت أبحاث عديدة أن الرغبة المستمرة في مضغ الثلج ترتبط في نسبة كبيرة من الحالات بنقص الحديد، سواء صاحبه فقر دم أم لم يصاحبه. ومن أوائل الدراسات التي لفتت الانتباه إلى هذه الظاهرة دراسة أجراها الطبيبان الأمريكيان والاس براون وبول دايمنت في مستشفى ويليام بومونت بمدينة إل باسو في ولاية تكساس عام 1972، حيث رصدا ارتباطا بين الرغبة الشديدة في مضغ الثلج ونقص الحديد لدى عدد من الفتيات المراهقات، ولاحظا اختفاء هذه الرغبة بعد علاج النقص بالحديد، كما توصلت مراجعات علمية حديثة إلى أن اكتشاف أعراض «البيكا» ومنها مضغ الثلج قاد الأطباء في كثير من الحالات إلى تشخيص نقص الحديد وعلاجه، وأن هذه الرغبة تراجعت أو اختفت بعد تعويض النقص. 

ورغم مرور سنوات طويلة على دراسة هذه الظاهرة، فإن السبب الدقيق لا يزال غير محسوم علميا، فالثلج لا يحتوي على الحديد، وبالتالي لا يمكن اعتبار تناوله محاولة مباشرة لتعويض النقص، وإحدى الفرضيات العلمية الحديثة تشير إلى أن مضغ الثلج قد يساعد مؤقتا على زيادة اليقظة والانتباه لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص الحديد، ويعتقد الباحثون أن البرودة الشديدة قد تحفز تدفق الدم إلى بعض مناطق الدماغ، مما يمنح شعورا مؤقتا بالنشاط والتركيز، وهو ما يفسر تمسك بعض المصابين بهذه العادة، ولكن لا يعني حب الثلج دائما وجود مرض، فبعض الأطفال يستمتعون بمذاقه البارد أو بقوامه المقرمش. وعادة ينصح الأطباء بإجراء تقييم طبي، إذا لاحظ الوالدان أن الطفل يطلب الثلج بشكل يومي ومتكرر ويبحث عنه باستمرار داخل المنزل ويشعر بالضيق عند عدم توفره، وقد يعاني في الوقت نفسه من الشحوب أو التعب أو ضعف الشهية، وقد يواجه صعوبة في التركيز أو يبدو أقل نشاطا من المعتاد، وفي كل هذه الحالات قد يطلب الطبيب إجراء فحوصات تشمل صورة الدم الكاملة وتحليل مخزون الحديد لأن انخفاض مخزون الحديد قد يظهر قبل تطور فقر الدم الواضح.

يعتمد العلاج على السبب الأساسي؛ فإذا أثبتت الفحوصات وجود نقص في الحديد، فإن الطبيب يصف مكملات الحديد المناسبة لعمر الطفل، مع تحسين نظامه الغذائي وإضافة الأغذية الغنية بالحديد مثل اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك والبقوليات والخضراوات الورقية. وبينت  الدراسات أن الرغبة في مضغ الثلج غالبا ما تبدأ بالتراجع خلال فترة قصيرة من بدء العلاج، وقد تختفي قبل عودة مستوى الهيموجلوبين إلى معدلاته الطبيعية. أما إذا كانت نتائج الفحوصات طبيعية، فقد يبحث الطبيب عن أسباب أخرى مثل العادات السلوكية أو بعض الاضطرابات النمائية أو النفسية التي قد ترتبط بسلوكيات «البيكا».

وإلى حين معرفة السبب وعلاجه، يمكن للوالدين تقديم بدائل أكثر أمانا للطفل، مثل الفواكه المبردة أو المجمدة جزئيا، وشرب الماء البارد، والعصائر الطبيعية المثلجة بدرجة معتدلة، كما أن إشغال الطفل بالأنشطة الحركية والترفيهية قد يساعد في الحد من السلوك إذا كان مرتبطا بالملل أو التوتر، مع مراعاة جانب مهم وهو أن مضغ الثلج بصورة متكررة قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تشقق مينا الأسنان أو حدوث كسور دقيقة فيها، لذلك لا ينصح بالتعامل مع هذه العادة باعتبارها أمرا طبيعيا إذا أصبحت متكررة ومستمرة، لذلك فإن ملاحظة هذه العادة بشكل متكرر تستحق التقييم الطبي، لأن التشخيص المبكر والعلاج المناسب لا يسهمان فقط في تحسين صحة الطفل، بل قد يؤديان أيضا إلى اختفاء الرغبة في مضغ الثلج بصورة تلقائية.