وهم اليقين: كيف أتخذ القرار؟
هبة مبارك الدوسري5 دقائق للقراءةحجم الخط
في مساء إعلان نتائج القبول الجامعي، كانت إحدى الطالبات تتنقل بين ثلاث نوافذ مفتوحة، بإرهاق وحيرة: تخصص الطب الذي تريده أسرتها، والهندسة التي تشير إليها درجاتها، وتخصص تقني حديث لا يعرف أحد على وجه اليقين كيف سيكون سوقه بعد خمس سنوات. حين استشارتني، جاءت بسيرة ذاتية مبهرة: معدل عال، اختبارات قدرات ممتازة، تجارب صيفية ثرية، توصيات من خبراء. لم تكن تنقصها المعلومات؛ كان لديها منها ما يكفي لتزداد حيرة. ما كانت تبحث عنه حقا هو ضمان صغير يخبرها بأن الاختيار الذي ستتخذه لن تندم عليه لاحقا.
ذلك الضمان الصغير هو ما نبحث عنه جميعا قبل القرارات الكبيرة: تخصص دراسي، وظيفة جديدة، زواج، انتقال إلى مدينة أخرى، أو مبادرة يطلقها مسؤول تنفيذي وتترتب عليها إعادة هيكلة وميزانية بتقليص أو دمج أو إلغاء وبالتالي عواقب على قطاعات وأشخاص. نريد من القرار أن يكشف لنا نتيجته قبل أن نتخذه، وحين لا يفعل، نظن أن المشكلة في نقص البحث، فنفتح شاشة رابعة ونطلب رأيا عاشرا، وتتسع الحيرة بدل أن تنحسر.
وضع مربك لكنه يختزل معضلة حقيقية تواجه كثيرين، لا سيما الطلاب والقادة: أن امتلاك المعلومات لا يضمن اتخاذ القرار. أثبتت هذا تجربة صارت مرجعا في علم النفس السلوكي للباحثتين شينا آينجار ومارك ليبر نشرت في Journal of Personality and Social Psychology عن دراستهما المعروفة بـ«طاولة المربى». حيث عرض على المتسوقين في متجر راق 24 نوعا من المربى للتذوق، توقف كثيرون أمام الطاولة، لكن 3% منهم فقط اشتروا.
وحين قلص العرض إلى 6 أنواع فقط، توقف عدد أقل، لكن 30% منهم اشتروا، أي عشرة أضعاف النسبة الأولى. كثرة الخيارات تجذب الفضول، لكنها تشل الفعل. هذا ما يعرف بـ«شلل التحليل» وهي حالة يقف فيها الإنسان عاجزا لأن كل خيار له منطقه الخاص. التخصص الذي يحبه الطالب قد لا يوفر استقرارا، والآخر آمن لكنه بلا شغف أو ميول، والثالث يجمع بين الاثنين لكنه يتطلب جهدا إضافيا قد لا يحتمله.
لكن أول ما ينبغي فهمه أن القرار الجيد ليس مرادفا للنتيجة الجيدة. حيث تبين مراجعة علمية منشورة فيAnnual Review of Developmental Psychology أن جودة القرار تقوم على أربع عمليات: تقدير ما نعرفه واحتمالاته، وتحديد ما نعده مهما، والجمع المنطقي بين الأدلة والقيم، ثم إدراك حدود معرفتنا وثقتنا. ولذلك تبين بحوث الإرشاد المهني أن صعوبة الاختيار لا تنبع من نقص المعلومات وحده، بل أيضا من اضطراب ترتيب الأولويات والقيم، وتضارب التوقعات، والخوف من مستقبل لا يمكن التنبؤ به.
عند اختيار التخصص مثلا، لا يحتاج الطالب إلى التنبؤ بمهنته حتى التقاعد. فهذا وهم في عالم تتغير فيه الوظائف والمهارات والتقنيات بسرعة. يحتاج إلى فهم أكثر تواضعا ودقة: ما المجالات التي يملك استعدادا وميولا حقيقية لها؟ ما طبيعة الدراسة والعمل على أرض الواقع فيها؟ وما الخيارات التي ستظل متاحة إذا تغيرت ميوله أو سوق العمل؟
فكيف نقرر إذن؟ يبدأ القرار الناضج بسؤال مختلف: ما الذي يجب أن أعرفه الآن، وما الذي لن أعرفه إلا بعد التجربة؟ أولا لا بد من صياغة السؤال بدقة.
حين نسأل «ما أفضل تخصص؟» هذا سؤال واسع ومضلل، فلا يوجد تخصص أفضل في المطلق. الأدق أن نسأل «أي البدائل الأخرى المتاحة يلائم قدراتي وقيمي وظروفي وميولي، ويمنحني فرصا معقولة ومساحة للنمو والتطور خلال السنوات المقبلة؟» كما لا بد أن نحدد موعدا تتوقف عنده مرحلة جمع المعلومات، لأن البحث بلا سقف زمني لا يكتمل، بل يتكاثر.
وفق النموذج الذي طوره الباحثان إيتامار غاتي وإيتاي آشر في الإرشاد المهني، يستبعد أولا ما لا يحقق الشروط الأساسية: القدرة على القبول، والتكلفة الممكنة، والحد الأدنى من الاهتمام والاستعداد والميول، والقيود التي لا يمكن تجاوزها. بعد ذلك يتم الاحتفاظ بثلاثة أو أربعة بدائل جادة فقط، بدل مقارنة عشرات المسارات التي لا نرغب في معظمها أصلا.
ومن المهم للغاية أن نكتب معاييرنا قبل أن نمنح أي خيار درجاته. هذه المعايير تشمل: الميل الحقيقي، والقدرة الأكاديمية، وطبيعة بيئة العمل، والطلب المتوقع في سوق العمل، والمرونة بين المسارات، ومدة الدراسة وكلفتها. نعطي كل معيار وزنا بحسب أهميته، ثم نقيم البدائل بصدق. هذه المصفوفة تكشف التناقضات التي نخفيها عن أنفسنا: فقد نعلن أن الشغف هو الأولوية، بينما نمنح المكانة الاجتماعية الوزن الأكبر، أو نزعم أن القرار شخصي بينما نكتشف أن نصف معاييره مستعار من توقعات الآخرين.
بعدها يأتي اختبار الواقع. لا يكفي أن يقرأ الطالب وصف التخصص، بل عليه أيضا أن يرى الممارسة المهنية والروتين اليومي لهذا التخصص. يؤكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 بخصوص استعداد المراهقين للمسار المهني أهمية الأنشطة التي تصل الطلاب بأماكن العمل والعاملين فيها مثل: الزيارات المهنية، والتجارب القصيرة، والإرشاد، والحديث مع الممارسين.
وقد تكون ساعات يقضيها الطالب في قسم جامعي أو مع ممارس أكثر كشفا من عشرات المقاطع الترويجية. والأفضل ألا يكون السؤال فقط «هل المجال واعد؟ أو هل لديه فرص توظيف» بل «كيف يبدو دوام يوم عادي فيه؟ ما أكثر ما يرهقك؟ وما الذي تمنيت لو عرفته قبل أن تبدأ؟»
وقد يكون مفيدا أن نختبر الخيار الذي نميل إليه. من الأدوات المفيدة هنا «التحليل الاستباقي للفشل» أو Premortem حيث نتخيل أننا اخترنا هذا المسار، ثم اكتشفنا أنه فشل ولم ينجح، ونسأل: ما الأسباب المحتملة؟ هل أخطأنا في تقدير قدراتنا؟ هل انجذبنا إلى اسم التخصص لا إلى طبيعته؟ هل تجاهلنا كلفته أو نمط الحياة المرتبط به؟ هذا السؤال يخفف سطوة التفاؤل والثقة المفرطة، ويحول المخاوف المبهمة إلى مخاطر يمكن الاستعداد لها. كما أنه من المفيد كذلك أن نطلب رأيا مخالفا، لا رأيا إضافيا يكرر ما نحب سماعه.
وأخيرا، من المهم التمييز بين قرار يمكن تعديله وآخر يصعب الرجوع عنه، وهل يمكن تجربته على نطاق صغير مسبقا؟ أما القرار عالي الكلفة أو الذي يصعب عكسه فيستحق قدرا أكبر من التحقق.
اختتمت الاستشارة مع الطالبة بقولي: إن أحدا لن يمنحها شهادة تضمن غياب الندم. ما تستطيع امتلاكه هو شيء أكثر واقعية: قرار تستطيع فهم أسبابه، واختبار افتراضاته، ومراجعته إذا تغيرت المعطيات. ستضغط زر الاختيار من دون أن تعرف المستقبل كاملا، وهذا ليس فشلا في التفكير، بل ببساطة هي طبيعة الحياة.
فالنضج لا يبدأ حين نعرف ما سيحدث، بل حين نتوقف عن مطالبة المستقبل بأن يكشف أوراقه كلها. واليقين الذي نحتاجه ليس يقين النتيجة، بل الاطمئنان إلى المنهج: عرفت ما يهمني، تحققت مما أستطيع، ثم تحركت بشجاعة متواضعة.
ففي الضباب، لا نحتاج إلى رؤية الطريق كله.. يكفي أن نرى الخطوة التالية، وأن نترك لأنفسنا القدرة على تصحيح الاتجاه.
HibahAldosari@
