اعتياد العمل وتكراره مدعاة للملل والسأم، فنحن نهرب من الملل إلى ملل آخر! ما هذا؟
اسألوا الأطباءَ عن الروتين وكيف غيّر حياتهم، واطّلِعوا على سير العظماء كيف صنع منهم عظماء، وتأمّلوا حياة الناجحين كيف تأقلمت مع التكرار.
الرتابةُ تُساعدنا على التكيّف مع الضجر، وتُحرّك فينا جذوة الإبداع. هذا الانتظام والاتساق المخطَّط له والمدروس يصنع منك مُلهِمًا.
إنَّ المواءمة بين الروتين والملل تصنع مزيجاً من الراحة والسعادة، وتقضي على الخوف، وتمنح الثقة المنضبطة.
لقد قال محمد علي كلاي، أعظم شخصية رياضية في التاريخ: “أكره كل دقيقة في التمرين، لكنّي أقول لنفسي: لا تستسلم الآن، تعذّب اليوم، وستعيش بقية حياتك بطلاً”. وهو صاحب المقولة الشهيرة: "طر كفراشة، والسع كنحلة".
وتصفّحٌ سريع لحساب كريستيانو رونالدو في “إنستغرام” يُريك خلاصة التمارين اليومية التي تتجاوز الساعات؛ فأخرجت لنا لاعباً ظاهرة يستحق الدراسة. وكذلك ميسي، لم يعتمد على موهبته وحدها؛ فقد تتبّعه أحد الصحفيين الإسبان، فاكتشف أن سرَّه في الاستمرارية.
وقد أشار أحمد الحقيل في بودكاست ثمانية إلى أن الكتابة تحتاج إلى روتين ثابت، لا إلى انتظار الإلهام.
ونعود إلى التاريخ قليلاً:
حين مرَّ ابن حجر العسقلاني في طريقه على بئرٍ رأى الناس يتعبون في استخراج الماء، ولاحظ أن الحبال قد حفرت في الحجر، فقال متعجباً: الحبل يقطع الحجر!.
فجلس خمس سنوات يطلب العلم ولم يتعلم حرفاً واحدا، لكنه لم ييأس، فواصل واستمر، حتى صار من أشهر من شرح صحيح البخاري.
إنها المثابرة.
يقول أحمد العساف: الكمُّ الكثير ينتج كيفًا مميزًا.
واسأل الشناقطة الحفّاظ عن نظامهم اليومي في المحاضر كيف غيّر حياتهم وثبّت حفظهم.
التسويف سوسةُ الروتين، والألمُ والمللُ والمعاناةُ جزءٌ من الاستمتاع بالطفش.
فموراكامي يقول: “المعاناة في النهاية اختيارٌ مكلّلٌ بالنجاح ولو بعد حين”.
أما جيمس كلير في كتاب العادات الذرية فيؤكد أن: “كلّما كرّرت الفعل، تغيّرت بنية الدماغ بحيث تصير قادرة على تأدية ذلك النشاط بكفاءة”.
التأقلم مع الرياح والإبحار معها يجعل السفينة ترسو بأمان، ومجابهتها نذيرُ خطر.
والتعود على المكرور والمألوف جزءٌ من النجاح، وهو الخيط الدقيق بين الفشل والإتقان.
قالوا قديمًا: الاعتياد يولّد الإتقان، والإتقان يتحول إلى قيمة يتميز بها المحترفون.
انظر إلى أيّ حرفةٍ بيدك أو مهارةٍ عند صانعٍ متقن، كيف وصل إلى ذلك؟
إنه الالتزام والتكرار الممل ذو العاقبة الحميدة.
القاسم المشترك بين الناجحين هو رتابتهم اليومية المتمثلة بالاستيقاظ مبكرًا، والالتزام بوردٍ ثابتٍ في القراءة والتعلّم.
فالروتين لا يقتل الموهبة، بل يُنمّيها ويُعزّزها.
وفي رواية "حياتك الثانية تبدأ حين تدرك أن لديك حياة واحدة"، للكاتبة الفرنسية رافاييل جيوردانو، حديثٌ جميل عن تحويل الرتابة إلى طاقة إيجابية عبر دمج التقنية بالنشاط.
ويقول الغواص المحترف أحمد الجابر في برنامج الليوان مع المدير: “الاحتراف هو أن تؤدي واجباتك على أكمل وجه، في أفضل وأسوأ حالاتك”.
فلنردد مع المنشد أسامة الصافي:
لا تقل فات الأوان
وانطلق فالوقت حان
إن أردنا وانطلقنا
بالمنى جاد الزمان
ويرى أوستن كليون أن الروتين حليف الإنجاز، وأن الانضباط يغلب الحماس، فهو الوسيلة الوحيدة لإنجاز الأمور.
وقال غوستاف فلوبير: “كن رتيبًا في حياتك اليومية، ليكون إبداعك جامحًا في عملك".
وعند الشروع في تنفيذ مشروعك، ولا سيما التجاري، جرّب أن تصبر عليه حتى يزورك الملل؛ فإنه الفاصل بين النجاح والفشل، والسلامة من فخّي الشغف والعاطفة.
حين يمضي يومك الرتيب بلا مرض ولا خلاف، فأنت في نعمة تستحق الثناء والشكر.
وللدكتور أحمد الردادي قفشات ومقالات عن الملل والسرعة والطفش والإنجاز جديرة بالقراءة والاطلاع. (المهام البسيطة تقلل من أعذارك لنفسك، وكلما زدت الأمور تعقيدًا، زادت أعذارك لنفسك لعدم القيام بها!).
وسامح عبدالظاهر يدعو إلى الترحيب بالملل والروتين فيقول: “شكواك الدائمة من (الملل) ورتابة الأيام؛ هي قمة الجحود المبطن لنعمة العافية، و(الأحداث) التي تبحث عنها لكسر الروتين؛ غالبًا ما تأتي ومعها (فواجع) تقلب حياتك وتخطف سكينتك”.
مُلحة الوداع:
غياب الروتين يقرّبك من الاكتئاب.
(الثقة بالنفس لا تبنى فقط من الإنجازات الكبيرة، بل من العادات الصغيرة التي تتكرر كل صباح).
وتصبحون وتمسون على روتينٍ... وبروتين
الروتين بين الملل والتفوّق
محمد العمر4 دقائق للقراءةحجم الخط
