في المسافة المتحركة بين الإنسان والآلة، وبين الذاكرة والواقع الرقمي، يفتح معرض «استمرارية 26» في مركز الدرعية لفنون المستقبل مساحة جديدة للتأمل في تحولات الممارسة الفنية المعاصرة، من خلال أعمال 16 فنانًا ناشئًا ومرشدي البرنامج، يوظفون الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والمختلط والصوت والضوء والصورة والتقنيات التفاعلية، لا بوصفها أدوات تقنية فحسب، وإنما موادًا لإنتاج الأسئلة والصور والتجارب.
ويستمر المعرض حتى 7 نوفمبر 2026، بوصفه خلاصة عام كامل من البحث والتجريب والتعلم والإنتاج، خاض خلاله الفنانون رحلة انتقلت بأفكارهم من الاستوديو إلى فضاء العرض، مستفيدين من الدعم الفني والإنتاجي والتعليمي الذي وفره المركز، بما في ذلك التجهيزات وميزانيات الإنتاج وفرص التعلم متعدد التخصصات.
وتتأسس الأعمال على أربعة محاور فكرية: «الذاكرة بوصفها عملية حيّة»، و«أنظمة القوة والتحسين»، و«الجسد والإدراك والحضور»، و«التكرار والإيقاع والتجربة الجماعية». ومن خلالها تتجاور أسئلة الذاكرة والهوية والجسد والمكان مع أسئلة التكنولوجيا والأنظمة الرقمية، لتعيد الأعمال النظر في الطريقة التي يتشكل بها إدراك الإنسان للعالم، وتتغير بها علاقته بذاته ومحيطه.
ولا يتعامل «استمرارية 26» مع التكنولوجيا باعتبارها غاية جمالية، بل يحاول اختبار إمكاناتها بوصفها وسيطًا فنيًا قادرًا على تغيير طبيعة التجربة ذاتها؛ فالصورة لم تعد مجرد سطح، والصوت لم يعد خلفية، والواقع الافتراضي لم يعد فضاءً منفصلًا، فيما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا أو موضوعًا في العملية الإبداعية.
ويشارك في المعرض فنانون من خلفيات ثقافية وجغرافية متعددة، من بينهم فَيّ أحمد، ونُجود البواردي، وعمر عادل، ودينا خليل، ومنّة الشاذلي، وبدرية السالم، وعزّت شدّاد، وفورسين أجينسي، وسكارلت موتيف/نويل أبيتا، وليندا دونغ، وواي 7، وهاربريت سارين، وإفغيني بوبوف، وغابرييلا رييس/سيرو تريس.
وتبرز قيمة التجربة في كونها تكشف مسار تشكل العمل الفني، لا نتيجته النهائية فقط؛ إذ أتيح للفنانين تطوير مشاريعهم عبر البحث والتجريب والتفاعل مع التقنيات والوسائط المختلفة، وصولًا إلى أعمال تتخذ من المعرض مختبرًا مفتوحًا للتجربة، وتضع المتلقي أمام عملية فنية تتقاطع فيها المعرفة التقنية مع الحس الجمالي والفكرة.
وتتولى إيريني باباديميتريو الإشراف القيّمي، بمشاركة بشرى الغامدي قيّمة فنية مساعدة، فيما يتولى الفنانان لويس فيليب ديميرز وريك تريويك الإرشاد الفني. ويقدم المرشدان تجربتين تضيفان بعدًا آخر إلى العلاقة بين الجسد والتقنية؛ ففي «Radiant Bodies» تتحول حركة الإنسان وإيماءاته إلى مكوّن في تكوين تفاعلي جماعي، بينما تستكشف «Ghost Out The Shell» العلاقة بين الهوية الجسدية والهوية الافتراضية من خلال الجمع بين النحت والواقع الافتراضي.
ويفتح البرنامج المصاحب للمعرض مسارات إضافية للتفاعل مع فنون الوسائط الجديدة، من خلال ورش وحوارات وتجارب تعليمية تتناول الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والتصوير الرقمي، بما يسمح للزائر بالانتقال من موقع المتلقي إلى مساحة أقرب إلى التجربة والمشاركة واكتشاف آليات إنتاج العمل الفني.
كما تتيح فعالية «لقاء الفنانين» فرصة للتعرف إلى الأعمال من خلال أصحابها، والاقتراب من الأفكار والعمليات الإبداعية التي سبقت ظهورها في قاعة العرض، وهو ما يمنح التجربة بعدًا حواريًا يتجاوز المشاهدة إلى فهم السياقات التي تشكلت داخلها الأعمال.
ويأتي المعرض بالتعاون مع «لو فريسنوا – الاستوديو الوطني للفنون المعاصرة» في فرنسا، ضمن توجه مركز الدرعية لفنون المستقبل إلى دعم الممارسات الفنية الواقعة عند تقاطع الفن والعلم والتكنولوجيا، وتوفير بيئة تتيح للفنان البحث والتجريب والإنتاج ضمن مسار إبداعي متكامل.
وفي جوهره، لا يسأل «استمرارية 26» عمّا تستطيع التكنولوجيا أن تفعله فحسب، بل عمّا تفعله بالإنسان؛ كيف تعيد تشكيل ذاكرته، وتغير إدراكه لجسده ومكانه، وتؤثر في خياراته وعلاقته بالآخر، وتعيد تعريف الحدود بين الواقعي والاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، يصبح المعرض مساحة لاختبار تحولات الفن المعاصر، حيث تتراجع الحدود التقليدية بين العمل والمتلقي، وبين الفنان والتقنية، وبين المادة والوسيط، لتظهر أمام الزائر تجارب تجعل التكنولوجيا جزءًا من اللغة الفنية، وفي الوقت نفسه موضوعًا للتأمل والنقد.
ويستمر «استمرارية 26» حتى 7 نوفمبر 2026، مقدمًا تجربة تجمع بين المشاهدة والحوار والتجريب، وتمنح الفنانين والمهتمين بفنون الوسائط الجديدة فرصة للاطلاع على نماذج معاصرة تتعامل مع التقنية لا باعتبارها مستقبلًا للفن، بل واقعًا حاضرًا يعيد تشكيل لغته وأسئلته وأدواته.
«استمرارية 26».. حين تصبح التقنية مادةً للتجريب الفني وأسئلة الإنسان
وائل سعود العتيبي - الرياض3 دقائق للقراءة






حجم الخط
