يولد الإنسان إلى هذه الدنيا حاملا أعظم الهبات الإلهية وأثمنها؛ هبة الحياة. ومن هذه الهبة ينطلق أول حق من حقوقه، وأساسها الذي تقوم عليه سائر الحقوق والحريات. فما قيمة الحرية إذا لم يكن الإنسان حيا؟ وما معنى الكرامة إذا أهدرت حياته؟ وكيف يمكن أن تتحقق العدالة في عالم لا تصان فيه الأنفس؟
إن حق الحياة ليس مجرد مادة قانونية تدون في وثيقة أو نص تشريعي، بل هو أصل تتفرع عنه منظومة الحقوق الإنسانية بأكملها. فحيث تحترم الحياة، يجد الإنسان طريقه إلى الحرية والكرامة والأمن، وحيث تستباح، تنهار الحدود الفاصلة بين العدل والظلم، ويتحول الإنسان إلى رقم في سجلات الحروب والصراعات ومطامع السلطة.
ومع ذلك، فإن تاريخ البشرية يكشف عن صفحات طويلة من الاعتداء على هذا الحق الأصيل؛ فقد عرفت أمم وحضارات عصورا كان فيها مصير الإنسان مرهونا بإرادة ملك متسلط، أو شيخ قبيلة، أو سيد مستبد، أو عرف اجتماعي جائر. وكان من الممكن أن تزهق روح بسبب نزوة، أو ثأر، أو اختلاف في الانتماء، أو طموح سياسي، أو اعتقاد متوارث لا يستند إلى حق ولا إلى عدل.
ولعل من أكثر صور امتهان الحياة بشاعة ما عرفه المجتمع الجاهلي من وأد البنات؛ إذ كان بعض الآباء يقدمون على دفن بناتهم أحياء خشية العار أو الفقر، في جريمة تهتز لها الفطرة السليمة، فجاء القرآن الكريم ليضع هذا المشهد المأساوي أمام الضمير الإنساني، ويعلن إدانته بصورة تهز الوجدان: ﴿وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾.
ولم يكن هذا الموقف القرآني مجرد إدانة لممارسة تاريخية انتهت بانتهاء الجاهلية، وإنما كان إعلانا لمبدأ عظيم: أن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة بسبب جنسه، أو ضعفه، أو فقره، أو نظرة المجتمع إليه.
غير أن البشرية، على الرغم مما حققته من تقدم علمي وحضاري وتشريعي، لم تتمكن من إغلاق أبواب الاعتداء على الحياة بصورة نهائية، ولا تزال الحروب تحصد أرواح الأبرياء، وما زالت النزاعات المسلحة تترك خلفها أطفالا فقدوا آباءهم، وأسرا فقدت أبناءها، ومدنا تحولت إلى أنقاض. وما زالت أشكال أخرى من العنف والاضطهاد والاستغلال تضع حياة الإنسان وكرامته في دائرة الخطر.
وقد يزداد الأمر خطورة حين تستخدم الشعارات الدينية أو العرقية أو السياسية غطاء لتبرير الاعتداء على الإنسان؛ إذ لا يمكن لأي شعار، مهما كان براقا، أن يمنح الظلم شرعية، ولا يمكن لأي انتماء أن يجعل دم الإنسان مباحا.
ومن هنا جاءت الشرائع السماوية لتؤكد أن الحياة الإنسانية ليست ملكا للبشر حتى يتصرفوا فيها وفق أهوائهم، وإنما هي نعمة منحها الله للإنسان، وجعل صيانتها من أعظم الواجبات.
وفي التصور الإسلامي يحتل حق الحياة مكانة مركزية في منظومة التشريع؛ فالقرآن الكريم شدد في حماية النفس البشرية، وجعل الاعتداء عليها من أعظم الجرائم، فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
كما بين القرآن أن الاعتداء على نفس واحدة بغير حق جريمة بالغة الخطورة، فقال سبحانه: ﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾.
وهكذا لا ينظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره مجرد فرد يعيش داخل المجتمع، وإنما ينظر إلى حياته باعتبارها قيمة عظيمة ينبغي أن تصان، وإلى الاعتداء على النفس باعتباره خطرا يتجاوز الفرد ليهدد أمن المجتمع واستقراره.
ولا تقتصر حماية الإسلام للحياة على تحريم القتل المباشر، بل تمتد إلى منع الوسائل والسلوكيات التي تفضي إلى الاعتداء على النفس أو تعرضها للهلاك. ولذلك جاءت الشريعة بجملة من الأحكام والتوجيهات التي تسد أبواب العدوان، وتحافظ على أمن الناس وسلامتهم، وتمنع العبث بالأرواح تحت أي ذريعة.
ومن صور هذه الحماية أيضا أن العقوبات التي يترتب عليها إزهاق النفس ليست حقا للأفراد والجماعات كي ينفذوها بأنفسهم، وإنما هي من اختصاص السلطة القضائية المختصة، وفق الضوابط الشرعية والإجراءات المقررة؛ لأن ترك أمر الدماء للأفراد يفتح أبواب الفوضى والثأر والانتقام، ويحول المجتمع إلى ساحة يستبيح فيها كل شخص حياة الآخر باسم العدالة.
وهنا تظهر دقة التصور الإسلامي؛ فحماية الحياة لا تعني فقط معاقبة المعتدي بعد وقوع الجريمة، وإنما تعني كذلك بناء منظومة اجتماعية وتشريعية تمنع الجريمة قبل وقوعها، وتحفظ الأمن، وتصون الإنسان من الظلم والاعتداء.
ولا تقف هذه القيمة عند حدود التشريع الإسلامي؛ فالمواثيق الدولية الحديثة جعلت الحق في الحياة من الحقوق الأساسية للإنسان. فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثالثة على أن «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه». كما أكدت المادة الخامسة حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو تأكيد مباشر على أن حماية الإنسان لا تقتصر على إبقائه حيا، وإنما تشمل صيانة كرامته وسلامته الجسدية والنفسية.
وهنا نصل إلى حقيقة مهمة: إن حماية الحياة تقود بالضرورة إلى حماية الكرامة.
فالإنسان الذي يعيش مهددا في أمنه، أو يتعرض للإذلال والتعذيب، أو يعامل بوصفه أقل قيمة من غيره، لا يتمتع بالحماية الحقيقية لحقه في الحياة، حتى لو بقي جسده حيا. ولهذا ارتبط الحق في الحياة بالكرامة الإنسانية ارتباطا وثيقا، وأصبح احترام الإنسان في ذاته وجسده وعقله وشخصيته جزءا من منظومة الحماية التي ينبغي أن توفرها المجتمعات والدول.
وقد عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن هذه الحقيقة في مادته الأولى حين قرر أن «جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق».
فالكرامة ليست امتيازا تمنحه الدولة لفئة وتحجبه عن أخرى، وليست مكافأة يحصل عليها الإنسان بسبب مكانته الاجتماعية أو ثروته أو جنسيته؛ إنها قيمة ملازمة للإنسان من حيث هو إنسان. ولذلك فإن أي اعتداء على كرامته هو، في جوهره، اعتداء على معنى الإنسانية ذاته.
لكن حماية حق الحياة لا ينبغي أن تختزل في منع القتل أو تجريم الاعتداء الجسدي فحسب. فالحياة الكريمة تحتاج إلى مقومات تحفظ استمرارها وجودتها؛ فالإنسان يحتاج إلى الغذاء والماء والرعاية الصحية والمسكن الآمن والتعليم والعمل والأمن والعدالة والفرص المتكافئة.
ومن هنا فإن مسؤولية حماية الحياة لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها، وإنما هي مسؤولية متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة والمؤسسات الدولية.
فالدولة التي تريد حماية حق الحياة لا يكفيها أن تمنع الجريمة، بل عليها أن تحارب الفقر المدقع وتواجه الأمراض والأوبئة وتحمي الأطفال وتكافح العنف وتوفر الرعاية الصحية وتحفظ الأمن وتمنع التمييز والاستغلال، وتسعى إلى معالجة أسباب النزاعات التي تهدد حياة الملايين.
كما أن المجتمع نفسه يتحمل مسؤولية أخلاقية في حماية أفراده، فالعنف الأسري والتنمر والتحريض على الكراهية والتعصب والاستغلال وإهمال الفئات الضعيفة كلها صور قد تضع الإنسان في دائرة الخطر وإن اختلفت عن صورة القتل المباشر.
إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعيش فقط، بل يحتاج إلى أن يعيش آمنا، مصون الكرامة، محترم الحقوق.
ولهذا فإن الحديث عن حق الحياة ينبغي ألا يكون حديثا قانونيا جافا، بل حديثا عن فلسفة الإنسان ومكانته في هذا الكون، فحين نحمي حياة طفل، فإننا لا نحمي فردا فحسب، وإنما نحمي مستقبلا بأكمله، وحين نمنع ظلم إنسان فإننا نؤكد أن المجتمع لا يزال قادرا على التمييز بين الحق والباطل، وحين نصون كرامة ضعيف فإننا نثبت أن قيمة الإنسان لا تقاس بقوته أو ثروته أو نفوذه.
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه الحضارة للإنسان ليس كثرة المباني ولا سرعة التكنولوجيا ولا وفرة المال، وإنما أن تجعل حياته آمنة وكرامته مصونة وحقوقه محترمة.
ومن هنا يبقى حق الحياة هو البداية الحقيقية لكل حديث عن حقوق الإنسان، فمن لا تصان حياته لا يستطيع أن يمارس حريته، ومن تهدر كرامته لا يستطيع أن يشعر بالعدالة، ومن يعش تحت الخوف الدائم لا يمكن أن يتذوق معنى الأمن.
إن الحياة هبة إلهية والكرامة حق إنساني والعدالة مسؤولية أخلاقية وقانونية، وبين هداية الشرائع السماوية واجتهادات القوانين الوضعية تظل الحقيقة الأهم ثابتة: لا يجوز أن تتحول حياة الإنسان إلى سلعة في سوق السياسة أو ورقة في صراع السلطة أو ضحية لتعصب ديني أو عرقي أو قومي، فحيث تصان الحياة تفتح أبواب الكرامة والحرية والعدل، وحيث تستباح تسقط المعاني التي تجعل من الإنسان إنسانا.
ومن لم يصن الحياة، فقد هدم الأساس الذي تقوم عليه الإنسانية كلها.
الحياة أولى الحقوق وأقدسها
أحمد محمد القزعل7 دقائق للقراءةحجم الخط
