في بعض الأيام، لا يحدث شيء يستحق منا كل هذا التعب، ومع ذلك نستيقظ مثقلين وكأننا أمضينا الليل في معركة لا يعلم عنها أحد، ثم نمضي في يومنا بصورة طبيعية، نؤدي أعمالنا، نتحدث مع الآخرين، نبتسم حين ينبغي أن نبتسم، ونجيب حين يسألنا أحدهم عن حالنا «أنا بخير»، ثم نعود في المساء إلى وحدتنا، فنكتشف أن عقلنا لم يكن معنا طوال اليوم، بل كان في مكان آخر، ينبش في الماضي، ويفتش في المستقبل، ويفكر في الحاضر، نحاول أن نستخرج من التفاصيل الصغيرة إجابات عن أسئلة لا تنتهي.

لدي صديقة تستطيع أن تفسد على نفسها يوما كاملا بسبب جملة واحدة، أذكر في إحدى المرات سمعت كلمة من أحد يعنيها أمره، لم تعجبها النبرة ولم تسأل صاحبها عن معناها، ولم يقع بينهما خلاف، ولم يحدث شيء بعد ذلك، لكنها في المساء حين عادت إلى منزلها، أعادت الجملة في ذهنها مرة، ثم عشرات المرات، بدأت في البحث عن معناها الخفي، ثم قالت لنفسها، ربما كان المقصد منها كذا، أو ربما هناك تغير، وربما أخطأت في شيء ولم أنتبه له، وربما كان هذا الكلام مقدمة لشيء أسوأ قادم، بعد ساعات، لم تعد تتعامل مع كلمة قيلت فعلا، وإنما مع عشرات الاحتمالات التي صنعها عقلها حولها، وهنا تحديدا تكمن إحدى أكثر صور الإرهاق النفسي قسوة وهي أن يتعب الإنسان من أشياء لم تحدث، في الحياة نحن لا نعاني دائما من الواقع كما هو، بل نعاني أحيانا من النسخة التي يصنعها العقل من الواقع، نعيد الحوار بعد انتهائه، ونخوض النقاشات التي لم تقع، ونضع إجابات كان ينبغي أن نقولها، ونستعد لخسارات لم تقع، ونبني في أذهاننا مستقبلا كاملا على احتمال واحد، ثم نتساءل في نهاية اليوم لماذا نحن مرهقون؟

ببساطة لأن العقل لا يعرف كيف يضع الأشياء في مكانها ثم يمضي، إنه يبحث ويريد دائما تفسيرا لكل تغير، وسببا لكل ابتعاد، وضمانا لكل خطوة، وإجابة عن كل ماذا لو؟! يريد أن يعرف قبل أن يعيش، وأن يطمئن قبل أن يثق، وأن يضمن النتيجة قبل أن يبدأ؛ لكن الحياة لا تمنح أحدا هذه الرفاهية، فهناك أشياء لن نفهم سبب حدوثها، وأشخاص لن نعرف لماذا تغيروا، وقرارات لن نعرف إن كانت صائبة إلا بعد أن نمضي بعيدا عنها، هناك أبواب ستغلق في وجوهنا دون أن يمنحنا أحد تفسيرا يرضي حاجتنا إلى الفهم، وقد يكون أكثر ما يؤلم الإنسان ليس ما حدث، وإنما عجزه عن العثور على معنى يبرر ما حدث، ولهذا نفرط في التفكير.

كبشر نحن لا نفكر دائما لأننا نحب التفكير، بل لأننا نخاف العجز، نشعر بأن تحليل كل احتمال يمنحنا قدرا من السيطرة، وأن توقع الأسوأ سيجعلنا أقل ألما إذا وقع، لكن المفارقة أن الإنسان قد يقضي عمره كاملا في الاستعداد للألم، فينسى أن يعيش اللحظة التي لم تؤلمه بعد، وهكذا يصبح الحاضر ضحية للماضي والمستقبل معا، فالماضي يستدعيه قائلا: لو أنك فعلت كذا بدلا من كذا، والمستقبل يخيفه قائلا: ماذا لو حدث كذا؟ وبينهما يقف الحاضر، إنه اللحظة الوحيدة التي يملكها بالفعل، دون أن يجد من يلتفت إليه، ربما لهذا لا تكون الراحة دائما في أن نجد حلا لكل شيء أو إجابة، أحيانا تكون الراحة في أن نتقبل أن بعض الأشياء لن تفهم ولا يجب أن نفهمها، أن نتعلم أن السؤال الذي لا إجابة له لا يستحق أن يتحول إلى عقوبة يومية، وأن الخطأ الذي انتهى لا يحتاج إلى محاكمة جديدة للنفس كل ليلة، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيد كتابة ماضيه بمجرد أن يكرره في رأسه مئات المرات.

ثمة فرق كبير بين أن نتعلم من تجاربنا، وبين أن نبقى أسرى لها، وبين أن نفكر في المستقبل، وبين أن نعيش خائفين منه، وبين أن نراجع أنفسنا، وبين أن نحول حياتنا إلى محكمة دائمة لا نغادرها إلا مذنبين، ولعل أحد أشكال النضج التي لا نتحدث عنها كثيرا هو أن يتعلم الإنسان متى يتوقف عن البحث ويهدأ، أن يقول: لا أعرف، ثم يحتمل ألا يعرف، أن يدرك أن عدم اليقين ليس دائما خطرا، وأن الغموض ليس بالضرورة مقدمة للخسارة، وأن الحياة لن تصبح أكثر أمانا لمجرد أننا أرهقنا عقولنا في محاولة توقع كل ما فيها.

ربما لسنا بحاجة إلى حياة أكثر هدوءا بقدر حاجتنا إلى عقل لا يحول كل عابر إلى قضية، وكل احتمال إلى حقيقة، وكل خطأ إلى حكم نهائي على أنفسنا، فالحياة، مهما كانت قاسية، لا تحدث كلها دفعة واحدة، هي تحدث لحظة بلحظة، ولذلك ربما كان أرحم ما يمكن أن نقوله لأنفسنا، حين يعجز العقل عن التوقف "ليس علي أن أعرف الآن، سأعرف حين يحين الوقت، وإن لم أعرف، فسأتعلم كيف أعيش دون أن أعرف"، فبعض السلام لا يأتي حين نجد الإجابة، وإنما حين نتوقف عن مطاردة السؤال.

NevenAbbass@