ماذا يبقى من الأمس حين يصبح حاضرًا؟ وماذا يستطيع جيل عاش التحولات أن يقول لجيل لم يعرف من ذلك الزمن إلا ما حفظته الكتب والذاكرة؟

ربما تبدو هذه الأسئلة مدخلًا مناسبًا إلى تجربة الدكتورة عزيزة عبدالعزيز المانع، التي اختارت لأمسيتها المقبلة عنوانًا دالًا: «من غسق الأمس إلى فجر اليوم»؛ عنوانًا لا يحيل إلى زمنين متباعدين فحسب، بل يفتح مساحة للتأمل في مجتمع تبدلت بنيته وأسئلته وأدواره، وفي امرأة عايشت جانبًا من ذلك التحول، وكتبته وناقشته، قبل أن تعود اليوم إلى استعادته من موقع الباحثة والشاهدة.

وتحتضن الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، بالتعاون مع «هاوي» Hawi، الأمسية ضمن «الكلمة – صالون ثقافي»، مساء اليوم الأحد 6 سبتمبر 2026، فيما تدير الحوار الكاتبة نبيلة محجوب.

غير أن أهمية اللقاء لا تتوقف عند عنوانه أو مناسبته؛ فاختيار المانع الحديث عن «الأمس» و«اليوم» يبدو امتدادًا طبيعيًا لمسار ثقافي وفكري طويل، جعل من التربية والمرأة والتعليم والوعي الثقافي والتحولات الاجتماعية والذاكرة دوائر متداخلة في تجربتها.

من التربية إلى المجال العام

تنتمي المانع إلى جيل من المثقفات السعوديات اللواتي دخلن المجال العام في مرحلة كانت فيها أسئلة المرأة والتعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية تتشكل وسط تحولات متسارعة.

والمانع متخصصة في أصول التربية، وحاصلة على الدكتوراه في هذا المجال، وعملت أستاذة في كلية التربية بجامعة الملك سعود. وتشير مصادر منشورة إلى حضورها الأكاديمي والثقافي والإعلامي، ومشاركاتها في الندوات والمؤتمرات، إلى جانب إنتاجها البحثي والكتابي.

وارتبط حضورها الثقافي لعقود بالكتابة الصحفية والمحاضرات واللقاءات الفكرية، وكانت مقالاتها في صحيفة «عكاظ» خلال الفترة من 1994 إلى 2018 نافذة منتظمة على قضايا المرأة والمجتمع، أسهمت في نقل أفكارها من الدائرة الأكاديمية إلى المجال الثقافي الأوسع.

ولم يكن هذا الحضور منفصلًا عن علاقتها المبكرة بالكتاب؛ فقد تشكل وعيها في بيئة ثقافية جعلت القراءة جزءًا من الحياة، وتأثرت بما كانت تضمه مكتبة والدها من كتب التاريخ واللغة والشعر والتراث والفقه والتفسير.

ومن هنا يمكن فهم أحد أبرز ملامح تجربتها اللاحقة: العودة إلى الماضي لا بوصفه حنينًا، وإنما بوصفه مادة لفهم الحاضر.

المرأة بوصفها مرآة للتحول

في أغسطس 2023 أصدرت المانع عن دار مدارك كتابها «الدولة الحديثة وتحديات تنمية المرأة في المملكة العربية السعودية»، وهو عمل يمثل أحد المفاصل المهمة في مشروعها الفكري.

فالكتاب لا يقف عند حدود الحديث عن حقوق المرأة أو مطالبها الاجتماعية والقانونية والاقتصادية، بل يذهب إلى مساحة أوسع؛ إذ يقرأ جانبًا من تطور المجتمع والدولة من خلال التحولات التي طرأت على حياة المرأة.

وهنا تكمن أهمية الكتاب؛ فالمرأة ليست موضوعًا منفصلًا عن سياقها، بل تصبح مؤشرًا على تغير المجتمع نفسه.

وتتبع المانع في كتابها مسار تعليم المرأة، ثم دخولها سوق العمل، وما رافق تلك التحولات من تحديات اجتماعية وثقافية، واضعة إياها في سياق أوسع بدأ مع بناء الدولة الحديثة وتوسع مؤسسات التعليم والتنمية.

وقد رأى الكاتب نجيب يماني أن قيمة الكتاب تتجاوز الطرح الجندري الخالص إلى قراءة أوسع لتطور المجتمع والدولة، فيما لفت محمد اليامي إلى أن المؤلفة لم تحصر قضية التحيز ضد المرأة في التجربة السعودية، وإنما وضعتها ضمن سياق تاريخي وإنساني أوسع، مستحضرة أمثلة من الأدب والفلسفة والدين وثقافات متعددة.

أما قراءة منشورة في «المدينة»، فأبرزت جانبًا آخر من الكتاب، يتمثل في سلاسة السرد؛ إذ رأت أن تدفق المانع في عرض التحديات يقرّب الكتاب من القارئ، ويمنحه بعدًا يتجاوز الشكل الأكاديمي الجاف إلى سرد اجتماعي أكثر حيوية.

وهنا تتضح إحدى خصائص تجربتها: أن التحول لا يُقرأ بوصفه سلسلة من القرارات والسنوات والأرقام فقط، بل بوصفه تجربة إنسانية عاشها الناس وتأثروا بها.

من قراءة التحول إلى توثيق الذاكرة

في كتابها الأحدث «عند الرهان تعرف السوابق»، الصادر عن دار مدارك عام 2025 في 246 صفحة، تتخذ المانع مسارًا آخر، لكنه لا ينفصل عن مشروعها السابق.

فالكتاب يوثق سيرة الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبدالرحمن آل سعود وتجربتها في العمل الاجتماعي والتنموي، من خلال خمسة فصول وخاتمة وملحق يضم الصور والأوسمة والشهادات.

وهنا تنتقل المانع من سؤال: كيف تغير المجتمع؟ إلى سؤال أكثر قربًا من التاريخ الاجتماعي: من هم الأشخاص الذين أسهموا في صناعة ذلك التغير؟

وتكتسب هذه النقلة أهميتها من إيمان المؤلفة بأن التوثيق جزء من ذاكرة المجتمع، وأن غياب الوثائق والشهادات قد يعني غياب جانب من التاريخ نفسه.

وتشير في الكتاب إلى أن جوانب من تطور العمل الاجتماعي النسائي في المملكة لم تحظَ بالتوثيق الكافي، وأن جهود الرائدات في العمل التطوعي بقيت، في أحيان كثيرة، خارج السرد التاريخي المنظم.

ومن هنا يصبح الكتاب أكثر من سيرة لشخصية واحدة؛ إنه محاولة لاستعادة جانب من تاريخ العمل الاجتماعي النسائي السعودي من خلال نموذج فردي، والاقتراب من مرحلة لا تكفي فيها الوثائق الرسمية وحدها لرسم صورتها كاملة.

وقد وصفت قراءة منشورة في «الرياض» هذا النوع من السير بأنه رافد مهم لفهم التحولات الاجتماعية، فيما رأت «اليمامة» أن الكتاب يضيء تجربة الأميرة نورة في العمل الاجتماعي والتطوعي في مناطق عسير والقصيم والرياض.

وفي المقابل، تبرز ملاحظة منهجية جديرة بالانتباه؛ إذ أشارت قراءة أخرى إلى صعوبة المهمة التوثيقية بسبب ندرة المصادر المكتوبة والاعتماد على الروايات الشفهية والشهادات الفردية.

وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة التجربة، بقدر ما تفتح سؤالًا أعمق حول طبيعة التاريخ الاجتماعي ومصادره، وحول الكيفية التي يمكن بها تحويل الذاكرة الشخصية إلى مادة موثقة قابلة للقراءة والمراجعة.

جيل كتب التحول وهو يحدث

من هنا يمكن قراءة تجربة عزيزة المانع على مستويين متداخلين.

في المستوى الأول، كانت كاتبة حاضرة في النقاش العام؛ تكتب عن المرأة والتعليم والعمل، وتطرح أسئلة لم تكن دائمًا سهلة في زمنها.

وفي المستوى الثاني، أصبحت باحثة تستعيد ما جرى؛ تقرأ التحولات بعد أن قطعت المملكة مراحل واسعة منها، وتعيد ترتيب الذاكرة بحيث يصبح الماضي مفتاحًا لفهم الحاضر.

وهذا ما يجعل عنوان «من غسق الأمس إلى فجر اليوم» أكثر من مجرد عنوان لأمسية؛ إنه يكاد يلخص مسارًا فكريًا كاملًا.

فـ«الغسق» هنا ليس نهاية زمن، و«الفجر» ليس بداية منفصلة عنه؛ بينهما تراكم طويل: تعليم بدأ محدودًا ثم اتسع، ونساء دخلن مجالات العمل تدريجيًا، وأدوار اجتماعية أعيد تعريفها، ومؤسسات توسعت، ومجتمع أعاد النظر في كثير من تصوراته.

وإذا كانت المرأة واحدة من أكثر المرايا حساسية لقياس التحولات الاجتماعية، فإن تجربة المانع تمنحنا هذه المرآة من داخلها؛ فهي لم تكتفِ بالكتابة عن التحولات، بل عاشت جانبًا منها، وشاركت في النقاش الذي رافقها، ثم عادت لتقرأها بعين الباحثة.

جدة.. المكان الذي يستعيد ذاكرته

وفي جدة تحديدًا، يكتسب اللقاء معنى إضافيًا.

فالمدينة التي كانت تاريخيًا أحد أكثر فضاءات المملكة اتصالًا بالعالم، وتنوعًا في سكانها وثقافاتها، تبدو مكانًا مناسبًا لاستعادة حكاية التحول الاجتماعي السعودي؛ لا باعتبارها حكاية خطية انتقلت من الماضي إلى الحاضر، بل بوصفها تجربة متعددة الأصوات.

ولعل القيمة الحقيقية للأمسية أن تمنح الذاكرة فرصة للتحول إلى حوار بين الأجيال: جيل عاش البدايات، وجيل شهد التحولات، وجيل يعيش نتائجها اليوم.

وهنا تصبح عزيزة المانع أكثر من متحدثة في أمسية ثقافية؛ تصبح صوتًا من أصوات الذاكرة السعودية، وشاهدة على مرحلة انتقلت فيها المرأة والمجتمع من أسئلة محدودة المجال إلى فضاء أوسع من المشاركة والمعرفة.

ومن «غسق الأمس» إلى «فجر اليوم»، لا تكون الرحلة بحثًا عن زمن أفضل في الماضي أو الحاضر، بقدر ما هي محاولة لفهم كيف صُنع الحاضر، ومن أي أسئلة وُلد، وما الذي ينبغي ألا يسقط من الذاكرة ونحن نمضي إلى المستقبل.

وتبدأ الأمسية في الساعة الثامنة والنصف مساءً، فيما يستقبل الحضور عند الثامنة، بمقر الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، في حوار تديره نبيلة محجوب، وتقدم خلاله عزيزة المانع قراءة لتجربة زمنية وثقافية يمكن اختصارها في جملة واحدة:

المجتمعات لا تصل إلى فجرها دفعة واحدة؛ بل تصنعه أجيال تتعاقب، وأسئلة تتغير، وذاكرة تحفظ الطريق.