التضخم الرمزي في المناسبات الاجتماعية
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
في مواسم الصيف، تتكاثر المناسبات الاجتماعية، وتزدحم المجالس، وتمتد الموائد، وتحضر القصائد والأمداح والتكريمات، وتنتقل تفاصيل كثيرة من الأمكنة إلى شاشات الهواتف، وغالبا ما ينقسم الناس أمام هذا المشهد: فمنهم من يراه كرما وحقا شخصيا وتعبيرا عن الفرح والتقدير، ومنهم من يراه إسرافا واستعراضا ومبالغة في صناعة الوجاهة، وبين الموقفين تبدو الظاهرة أعمق من أن تختصر في سؤال: كم أنفق؟ وربما يكون السؤال الأجدر: ماذا ينتج هذا الإنفاق اجتماعيا؟
يقدم مفهوم (رأس المال الرمزي) عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مدخلا مهما لفهم الظاهرة؛ فالمال يستطيع أن يتحول داخل المجتمع إلى رصيد من السمعة والتقدير والمكانة والاعتراف، فالمناسبة الكبيرة، وكثرة الحضور، والمديح، والتكريم، قد تنتج لصاحبها عائدا اجتماعيا يتمثل في الحضور واتساع شبكة العلاقات وتعزيز المكانة، وهنا تصبح للمناسبة قيمة أخرى تتجاوز تكلفتها المباشرة إلى ما تمنحه من رصيد رمزي داخل الجماعة.
وتكشف دراسات مارسيل موس عن (الهبة) وجها آخر للمشهد؛ فالعطاء والضيافة والهدايا تحمل وظائف اجتماعية تتجاوز قيمتها المادية، وتبني العلاقات، وتوثق الروابط، وتعبر عن الانتماء والتقدير، ولهذا تمثل الولائم والاجتماعات والقصائد والتكريم جزءا أصيلا من الثقافة الاجتماعية، وتحمل في داخلها ذاكرة الجماعة وقيم الكرم والوفاء والتواصل.
ويبدأ ما يمكن تسميته بـ(التضخم الرمزي) عندما تدخل هذه الممارسات في سباق متصاعد لإنتاج المكانة: مناسبة أكبر، وضيوف أكثر، وقصائد أطول، وألقاب أعلى، وتكريم أوسع، ثم يأتي المشهد التالي رافعا السقف مرة أخرى، ومع تكرار ذلك تتشكل معايير اجتماعية جديدة، ويصبح ما فعله الآخرون مرجعا ضمنيا لما ينبغي أن يفعله الفرد في مناسبته القادمة.
وتفسر (المقارنة الاجتماعية) جانبا دقيقا من هذه الدورة؛ فالإنسان يراقب موقعه بين الآخرين، ويقيس صورته بما يراه حوله، ويتأثر بالمعايير التي تنتجها الجماعة، ومع ارتفاع سقف المناسبات قد يصبح الإنفاق وسيلة للمحافظة على الصورة والمكانة، وقد يكشف الاستعراض أحيانا عن قلق اجتماعي خفي يدفع صاحبه إلى مزيد من الإثبات والحضور.
ثم جاءت وسائل التواصل فوسعت دائرة المشهد، حيث كان جمهور المناسبة قديما محدودا بالحاضرين فيها، وأصبح اليوم يمتد إلى جمهور آخر خلف الشاشات قد يفوق الحاضرين عشرات المرات، وأصبحت الصورة والمقطع والقصيدة ولحظة التكريم قابلة للتداول وإعادة النشر، واكتسبت المناسبة عمرا يتجاوز زمنها ومكانها، ومع هذا التحول أصبح الظهور الرقمي عنصرا مؤثرا في القيمة الرمزية للمناسبة وفي حجم الصدى الذي تنتجه.
والكرم والشعر والتكريم قيم راسخة في الثقافة الاجتماعية، وتزداد قيمتها حين تؤدي وظائفها في التواصل والتقدير وحفظ الروابط، أما التضخم فيبدأ مع انتقال هذه الممارسات إلى المنافسة على الحضور والمكانة، وعندها قد تصبح كثافة الاحتفاء نفسها مصدرا لصناعة القيمة، وتتسع المسافة بين حجم الصورة وبين مقدار الإنجاز الذي تستند إليه.
وهنا تكمن المسألة الأعمق؛ فالمناسبات لا تعكس العلاقات الاجتماعية وحدها، وإنما تشارك أيضا في تشكيل معاييرها، وما يتكرر أمام الناس يتحول مع الزمن إلى نموذج، وما يتحول إلى نموذج يصنع التوقعات، وما تصنعه التوقعات يؤثر في السلوك والإنفاق وتقدير المكانة.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى (التضخم الرمزي) باعتباره ارتفاعا في كلفة الحصول على الاعتراف الاجتماعي، كلما ارتفع سقف المقارنة والمنافسة والظهور، ويبلغ أثره الأبعد حين ينتقل من تفاصيل المناسبة إلى ميزان المكانة نفسه؛ فالمجتمع يصنع سلم قيمه من خلال الأشخاص الذين يمنحهم التقدير، والأسباب التي يمنحهم التقدير من أجلها، وكلما اقترب الاعتراف من العلم والعمل والخلق والإنجاز والعطاء، اقتربت المكانة من الاستحقاق، وأصبح الاحتفاء تعبيرا صادقا عن قيمة سبقت إليه.
Drmutir@
