أسماء الله الحسنى بين التوقيف والاجتهاد: قراءة في المأثور والمتداول
عبدالله علي بانخر4 دقائق للقراءةحجم الخط
يشكل التعلق بالله عز وجل، والتعرف على أسمائه وصفاته، غاية الآمال لأهل الإيمان، ومنطلق الطمأنينة في قلوب العباد. ولعل الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيح البخاري (كتاب التوحيد) والإمام مسلم في صحيحه: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة»، كان ولا يزال الدافع الأكبر للمسلمين عبر العصور لتتبع هذه الأسماء العظيمة، وحفظها، والتعبد بها تضرعا وخفية.
بيد أن هناك ملحظا علميا دقيقا يغيب عن كثرة من المسلمين اليوم؛ إذ يظن الكثيرون أن القائمة الشهيرة المسرودة بذاتها في اللوحات والمصاحف (والتي رواها الترمذي) هي نص نبوي معصوم، في حين أن التحقيق الحديثي يثبت أن سرد الأسماء فيها هو «مدرج» من اجتهاد بعض الرواة. هذا الاجتهاد، رغما عن فضله، أدخل في القائمة المتداولة ألفاظا ليست أسماء حسنى مطلقة بالمعنى الدقيق، مما يستدعي مراجعة واعية تنطلق من الضوابط الشرعية المعتمدة.
منهج التوقيف ويقين الوحيين
إن أسماء الله تعالى «توقيفية»، وهي قاعدة ذهبية عند أهل السنة والجماعة تعني أنه لا يجوز إطلاق اسم على الله إلا بنص صحيح صريح من الوحي (الكتاب أو السنة)، ولا مجال للعقل أو القياس في ابتكارها. وبناء على هذا المنهج، كما يقرر الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتابه المرجعي القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، عكف جهابذة المحققين على استقراء المنبعين الصافيين لجمع الأسماء الثابتة بيقين.
وقد وجد المحققون أن هناك أسماء حسنى عظيمة ثبتت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، ومنها ما غاب للأسف عن القوائم المشهورة المطبوعة بين الناس. فمن القرآن الكريم ثبتت أسماء مطلقة مثل: (الله، الإله، الأحد، الصمد، الأكرم، القريب، المولى، النصير، القدير). ومن السنة النبوية المطهرة ثبتت أسماء جليلة مثل: (الرب، المنان، المعطي، السبوح، الطيب، الجميل، السيد، الوتر)، بالإضافة إلى اسم (الستير) لقوله ﷺ في سنن أبي داود: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر».
ملمح الخطورة في إفراد أسماء النقص
إن التحقيق العلمي يقودنا إلى ملمح أكثر خطورة، وهو اشتمال القائمة المتداولة على ألفاظ لا تليق بمقام الألوهية وجلال الله إذا أفردت كأسماء مطلقة؛ ذلك أن أسماء الله يجب أن تكون «حسنى»، أي دالة على كمال مطلق ومدح خالص لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (المجلد السادس): «ليس من أسماء الله اسم يتضمن الشر، إنما يذكر الشر في مفعولاته». بناء على ذلك، فإن إفراد أسماء مثل (المذل، الخافض، الضار) كأسماء مستقلة يوهم بنقص لا يليق بالله عز وجل، بينما الكمال والعدل يكمن في اقترانها بأضدادها لبيان تمام الإحاطة والتصرف؛ فيقال (المعز المذل) و(الخافض الرافع). ومثل ذلك اسم (المنتقم) الذي نص ابن تيمية على أنه لم يرد في القرآن اسما مطلقا بل ورد مقيدا بمجازاة المجرمين كقوله تعالى: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾.
وفي السياق ذاته، يوضح العلماء أن إطلاق لفظ (القديم) لا يعبر عن الحسن المطلوب، فالقديم في لغة العرب هو المتقدم في الزمن على غيره ولا ينفي العدم السابق، بينما الاسم الثابت الجليل المحيط بالأزلية هو (الأول) الذي ليس قبله شيء. كما تداول الناس لفظا خطأ وهو «الستار» بينما الثابت الصحيح هو «الستير».
المفهوم الحقيقي للإحصاء
إن تقديم الأسماء الثابتة وتصحيح هذا المفهوم لا ينقصان من جلالة التعبد، بل يرفعانه إلى مقام أعلى من الاتباع والتحقيق الشامل؛ فـ«الإحصاء» الموعود بالجنة لا يعني مجرد الحفظ الآلي لقائمة مدرجة دخلها الاجتهاد.
وكما أشار الإمام ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد)، فإن الإحصاء الحقيقي يمر بثلاث مراتب متكاملة: أولها حفظ ألفاظها الثابتة الصحيحة، وثانيها فهم معانيها ومدلولاتها الإيمانية، وثالثها - وهو الغاية - الدعاء بها والعمل بمقتضاها، بحيث يظهر أثر هذا الاسم على سلوك العبد وأخلاقه ويقينه. وحري بمؤسساتنا التعليمية والإعلامية أن تنشر الوعي بهذه التحقيقات العلمية الدقيقة، لتظل عباداتنا وتوسلاتنا قائمة على أصح وأرقى ما ثبت عن الله ورسوله ﷺ.
نحو وعي تعبدي متجدد
إن هذه المراجعة العلمية المستندة إلى عيون المصادر التراثية ليست مجرد ترف فكري، بل هي دعوة إيجابية متجددة لفتح آفاق أرحب في علاقتنا مع الخالق جل وعلا. إن العيش في رحاب أسماء الله الثابتة بيقين، كـ(الجميل) الذي يكسو الكون بهاء، و(المنان) الذي يغمرنا بفضله، و(الشافي) الذي يبرئ سقامنا، يبعث في النفس طمأنينة لا حد لها.
دعونا نجعل من بيوتنا ومجالسنا منارات لمدارسة هذه الأسماء العظيمة بمعانيها الحقيقية، وأن نعلم أبناءنا كيف ينادون مولاهم بما سمى به نفسه؛ لنتذوق حلاوة مناجاته بيقين الوحي، ولنحقق معا «الإحصاء الواعي» الذي تفيض بركته في دنيانا، ويقودنا برحمة الله وثوابه إلى جنات النعيم.
aabankhar@
