من واقع خبرتي في مجال الجودة الشاملة وجودة الأداء المدرسي خلال فترة عملي في القيادة والإشراف التربوي، أستطيع الحديث عن أهمية التقويم الذاتي للأداء المدرسي الذي يمثل المحطة التشخيصية الأولى التي تسبق عمليات التقويم الخارجي؛ إذ يستهدف التقويم الذاتي تمكين المدرسة من الوقوف على حقيقة أدائها التعليمي والإداري بموضوعية تامة، وتلمس مواطن القوة لتعزيزها واستكشاف فجوات الأداء لمعالجتها ذاتيا. وتلتقي هذه الممارسة منهجيا مع التخطيط المدرسي بوصفه شريان التطوير؛ فالبيانات والشواهد المستخلصة من التقويم ليست أرقاما صامتة، بل هي المدخلات الحقيقية والوقود الفعلي الذي تبنى عليه الخطة التشغيلية وخطط التحسين، بما يوجه الطاقات نحو الارتقاء المستمر بمخرجات التعليم والمنافسة بها دوليا، تحقيقا لتطلعات رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية.

وينطلق هذا الحراك من أهداف استراتيجية عميقة تسعى إلى ترسيخ ثقافة التقويم الذاتي كمنهج حياة وممارسة مؤسسية داخل المجتمع المدرسي، ودفع عجلة التحسين المستمر بالاستناد إلى مخرجات التقويم السابقة. وتتسع هذه الأهداف لتشمل الاستثمار الأمثل للموارد المادية والبشرية المتاحة، وإشراك أصحاب المصلحة من معلمين ومتعلمين وأولياء أمور في قيادة التغيير وتقويم الأداء، مع تحفيز ابتكار حلول إبداعية لمعالجة التحديات الميدانية، وصولا إلى رفع جاهزية المدرسة للاستحقاقات التقويمية الخارجية وضمان استدامة تميزها.

ولبلوغ هذا التشخيص الصادق، يعتمد التقويم الذاتي على حزمة متكاملة من الأدوات التي ترصد الشواهد الميدانية؛ بدءا من أداة تحليل الوثائق لفحص الخطط التشغيلية وسجلات الأداء وتقارير الأمن والسلامة، مرورا بالاستبانات المقننة لاستطلاع آراء أطراف العملية التعليمية، والزيارات الميدانية والملاحظات الصفية لتقييم فاعلية التدريس وملاحظة البيئة التعليمية ومرافقها، وصولا إلى المقابلات المقننة مع الكوادر والمتعلمين، والاستناد الموضوعي إلى نتائج القياس والاختبارات الوطنية ونظام الرخص المهنية للمعلمين.

وترتكز هذه الأدوات في جوهرها على معايير عالمية رصينة تتلاقى مع التجارب الدولية الرائدة في ضمان الجودة والاعتماد المدرسي؛ كنماذج مؤسسة «أدفانس إد» (AdvancED/Cognia) في قياس فاعلية القيادة ومناخ التعلم، والإطار المرجعي لمعايير التقويم المدرسي المعتمد لدى مكتب التربية العربي لدول الخليج، والتي تجتمع كلها حول شمولية تقييم القيادة، والعمليات التعليمية، والبيئة المدرسية، ومخرجات التعلم. وقد تجسدت هذه المعايير العالمية في النموذج السعودي لتقويم الأداء المدرسي؛ ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لأن يجعل مدير المدرسة من المعايير الوطنية المعتمدة من هيئة تقويم التعليم والتدريب ركيزته الأساسية وبوصلته المهنية في توجيه عمليات التقويم وبناء القرارات التطويرية.

وهنا يبرز تساؤل جوهري يمس عمق الممارسة القيادية: هل نقف عند حدود التعامل مع معايير التقويم كمجرد استيفاء لمتطلبات توثيق ورصد رقمي ينتهي برفع الشواهد، أم نجعل منها الإطار الناظم والمحرك الفعلي للخطة التشغيلية للمدرسة؟ إن النظرة الفاحصة تؤكد أن حصر التقويم في قالبه الإجرائي الشكلي يفرغه تماما من روحه التطويرية؛ فالتقويم الحقيقي وسيلة استكشاف وتشخيص لا غاية نهائية، ومكمن القوة فيه هو قدرته على رسم ملامح العمل اليومي وصياغة الصورة الرقمية الحالية للمدرسة في بداية العام الدراسي، والتي تشكل خط الأساس ونقطة الانطلاق لتتبع نضج الأداء المؤسسي وتطوره.

ومن هذا المنطلق، يبرز مقترح «المواءمة المعيارية للخطة التشغيلية»، والذي يرتكز على تفعيل مبدأ «الإدارة المرئية» (Visual Management)؛ بحيث لا تبقى مؤشرات التقويم حبيسة الأدراج والملفات، بل تتحول إلى لوحات تحكم مرئية وشاشات مؤشرات حية ومعلنة يراها ويتابعها مجتمع المدرسة بأكمله، لتعكس الصورة الرقمية للمدرسة وكيف تتطور وتتغير معالمها ومستويات إنجازها صعودا مع مرور أسابيع العام الدراسي وفصوله، مما يتيح التدخل العلاجي الفوري عند ظهور أي تراجع في مستوى الأداء. ولكي نترجم هذا المقترح إلى واقع ملموس. حيث يبدأ قائد المدرسة بتحديد المؤشرات الأكثر حرجا وأولوية، ثم يعمل على تحويلها إلى لوحات تحكم تفاعلية تعرض بوضوح في غرف المعلمين أو قاعة الاجتماعات لتعكس نسب الإنجاز بالأرقام والألوان التوضيحية، ويتبع ذلك بعقد لقاءات دورية خاطفة مع فريق العمل أمام هذه اللوحات لمناقشة أي انحراف في الأداء واتخاذ قرارات تصحيحية فورية.

وتتضح أهمية هذا التكامل عمليا في شتى المحاور؛ فعندما تستهدف المدرسة معيار تلبية الفروق الفردية في محور التعليم والتعلم، تترجم المدرسة ذلك في خطتها التشغيلية إلى مشروع تدخلي مرن يركز على تمايز التدريس ورعاية مختلف المستويات، وتعرض مؤشرات تقدم المتعلمين أسبوعيا في لوحة مرئية ترصد الأثر التراكمي المباشر. كما تتجلى الفكرة بوضوح في جانب نواتج التعلم ومستوى التحصيل، حيث تترجم المعايير إلى برامج دعم علاجي وتطبيقات مهارية منتظمة تسد الفجوات التحصيلية وتواكب متطلبات الاختبارات المعيارية، مما يجعل الصورة الرقمية للمدرسة في نهاية العام تعكس ارتقاء حقيقيا ونموا مشهودا مقارنة بصورتها في نقطة البداية، لتتحول الخطة التشغيلية إلى أداة تنفيذية حية تصنع التميز المستدام.

ختاما، فإن هذه الرؤى والممارسات ليست غريبة أو جديدة على مديري ومديرات المدارس في المملكة العربية السعودية، الذين يملكون رصيدا قياديا زاخرا وتجارب نوعية مشهودة في إدارة الميدان التربوي لتحقيق الأفضل، وإنما يأتي هذا التناول تأكيدا وإسنادا لهذا الدور القيادي المهم. إن امتلاك مدير المدرسة للمهارات المتقدمة في بناء فرق التقويم الذاتي والإشراف عليها يمثل الضمانة الحقيقية لتعظيم الاستفادة من مخرجات التقويم ودمجها في الخطة التشغيلية، لتصبح المدرسة بيئة متجددة تتبنى التحسين المستمر والإبداع الإداري، تجسيدا للمبدأ القيادي الشهير لـ«ستيفن كوفي»: «السعي الدائم نحو التجديد وصناعة الأثر المؤسسي الراسخ». ويبقى السؤال المطروح لكل قائد تربوي يسعى لترك بصمة حقيقية في ميدانه: كيف ستعمل هذا العام لتحويل الصورة الرقمية لمدرستك إلى الأفضل؟ مع تمنياتي لكم برحلة سعيدة نحو منصات التميز.

abubakrw@