في الوقت الذي تتسابق فيه المؤسسات المجتمعية للبحث عن وسائل جديدة لتعزيز ثقافة التطوع واستقطاب الشباب نحو العمل المجتمعي، تقدم جمعية التطوع «فزعة» نموذجا جديرا بالتقدير من خلال تنظيم دوري الفرق التطوعية، وهي مبادرة جمعت بين الرياضة والعمل التطوعي في صورة تعكس فهما عميقا لاحتياجات المتطوعين واهتماماتهم.

لم يكن هذا الدوري مجرد منافسة رياضية تنتهي بتتويج فريق وحصوله على كأس البطولة، بل كان مساحة رحبة للقاء والتعارف وبناء العلاقات بين المتطوعين المنتمين إلى جهات مختلفة، وهو جانب لا يقل أهمية عن العمل التطوعي نفسه. فالمتطوع لا يقدم وقته وجهده فقط، بل يحتاج أيضا إلى بيئة داعمة ومحفزة تعزز شعوره بالانتماء وتمنحه فرصا للتفاعل والتواصل مع الآخرين.

وقد جاءت المباراة الختامية بين فريق الترجي التابع لجمعية التنمية الأهلية بقباء وفريق جمعية طيبة التعليمية، لتجسد هذه المعاني بصورة واضحة، حيث حضرت الروح الرياضية والتنافس الشريف جنبا إلى جنب مع قيم التعاون والألفة التي يسعى العمل التطوعي إلى ترسيخها في المجتمع.

كما أن رعاية وتشريف صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نهار بن سعود بن عبد العزيز، نائب أمير منطقة المدينة المنورة والرئيس الفخري لجمعية التطوع «فزعة»، يعكسان حجم الاهتمام الذي يحظى به القطاع التطوعي، والدور الذي تؤديه المبادرات المجتمعية في دعم مستهدفات التنمية وتعزيز المشاركة المجتمعية.

ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أنها تجاوزت النظرة التقليدية للعمل التطوعي باعتباره نشاطا خدميا محصورا في نطاق معين، وقدمت مفهوما أكثر شمولا يقوم على بناء الإنسان وتنمية العلاقات الاجتماعية وخلق مساحات إيجابية تجمع بين الفائدة والمتعة. فالرياضة لغة عالمية قادرة على التقريب بين الناس، وعندما تتكامل مع العمل التطوعي فإنها تنتج أثرا مجتمعيا مضاعفا ينعكس على الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

إن النجاح الذي حققه دوري «فزعة» للفرق التطوعية، وما شهده من حضور وتفاعل وإشادة، يؤكد أن المبادرات النوعية هي الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمع وتحقيق أثر مستدام. كما يبرهن على أن العمل التطوعي يحتاج دائما إلى أفكار مبتكرة تواكب تطلعات الشباب وتستثمر اهتماماتهم في خدمة المجتمع.

وفي تقديري، فإن المكسب الحقيقي لهذه المبادرة لم يكن تتويج فريق الترجي بطلا لكأس المتطوعين، رغم استحقاقه لهذا الإنجاز، بل في نجاحها في جمع المتطوعين تحت مظلة واحدة وتعزيز روح الفريق بينهم. فحين تلتقي الرياضة بالتطوع، وتجد الفكرة من يؤمن بها ويدعمها، تكون النتيجة تجربة ملهمة تستحق الإشادة والتكرار.

لقد قدمت جمعية التطوع «فزعة» نموذجا عمليا يؤكد أن العمل التطوعي قادر على التجدد والابتكار، وأن خدمة المجتمع لا تقتصر على المبادرات التقليدية، بل يمكن أن تتجسد في فعاليات تجمع بين القيم الإنسانية والأنشطة التي يحبها الناس. ومن هنا، فإن مثل هذه المبادرات تستحق الدعم والتوسع، لأنها لا تصنع حدثا عابرا فحسب، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكا وحيوية وعطاء.