تخيل أن جهة حكومية نشرت عشرات الأخبار خلال شهر واحد، وحققت منشوراتها ملايين المشاهدات، وتصدرت بعض أخبارها منصات التواصل.
هل نستطيع أن نقول إن الجهة نجحت في الاتصال بجمهورها؟
ربما.. لكن هناك سؤالا أهم: هل نجحت في التأثير فيه؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاتصال التقليدي والاتصال الذي يصنع أثرا حقيقيا.
في الماضي، كان نجاح الاتصال يقاس غالبا بمدى وصول الرسالة إلى الجمهور، كم شخصا شاهد الخبر؟ كم وسيلة إعلامية نقلته؟ كم مرة تمت مشاركته؟ أما اليوم، فقد تغير المشهد.
الجمهور لم يعد ينتظر المؤسسة حتى تخبره بما يحدث، بل أصبح قادرا على الوصول إلى المعلومة من عشرات المصادر خلال دقائق، وأحيانا قبل أن تصل إليه من المصدر الرسمي.
وهنا لم تعد المشكلة في الوصول إلى الجمهور، وإنما في كسب انتباهه وثقته.
فالرسالة التي تصل إلى مليون شخص ولا يثق بها أحد، أقل قيمة من رسالة تصل إلى عشرة آلاف شخص وتترك أثرا حقيقيا فيهم.
من (ماذا نقول؟) إلى (ماذا نريد أن يحدث؟)
هذه واحدة من أهم التحولات التي يجب أن يعيشها الاتصال الحكومي.
عندما تخطط الجهة لحملة أو رسالة اتصالية، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: ما المحتوى الذي سننشره؟
بل: ما التغيير الذي نريد أن نصنعه؟
هل نريد أن نعرّف الجمهور بخدمة؟
أم نريد أن نغير سلوكا؟
أم نريد أن نبني الثقة؟
أم نريد أن نوضح قرارا؟
أم نريد أن نسمع صوت الجمهور ونفهم احتياجاته؟
كل هدف من هذه الأهداف يحتاج إلى رسالة مختلفة، وأسلوب مختلف، وقناة مختلفة، ومؤشرات مختلفة لقياس النجاح.
وهنا تحديدا تظهر قيمة ممارس العلاقات العامة.
الجمهور ليس رقما.. من السهل أن ننظر إلى الجمهور من خلال الأرقام: مليون متابع، مئة ألف مشاهدة، عشرة آلاف إعجاب.
لكن خلف كل رقم إنسان، إنسان لديه سؤال، واحتياج، وتجربة، وربما مشكلة ينتظر من الجهة أن تساعده في حلها.
ولهذا فإن الاتصال الحكومي الفعال لا يبدأ من المؤسسة وينتهي عند الجمهور، بل يتحرك في الاتجاهين.
المؤسسة تتحدث، والجمهور يرد، والمؤسسة تستمع، ثم تتعلم وتطور.
وهنا يتحول الجمهور من متلق للرسائل إلى شريك في صناعة الاتصال.
الثقة لا تبنى بمنشور واحد، قد تستطيع المؤسسة أن تجذب انتباه الجمهور بمنشور قوي، لكنها لا تستطيع أن تبني الثقة بمنشور واحد.
الثقة تتكون من تراكم التجارب.
من وضوح الرسالة.
من سرعة الاستجابة.
من الاعتراف بالخطأ عند حدوثه.
من تقديم المعلومة في الوقت المناسب.
ومن شعور الجمهور بأن المؤسسة لا تتحدث إليه من برج عاجي، بل تفهمه وتحترم وقته وعقله واحتياجاته.
ولهذا، فإن سمعة المؤسسة لا تصنعها إدارة العلاقات العامة وحدها.
كل موظف، وكل خدمة، وكل تجربة، وكل رد على استفسار، وكل موقف مع الجمهور، هو جزء من هذه السمعة.
النجاح الحقيقي ليس في أن يسمعك الجمهور، قد تنجح المؤسسة في إيصال رسالتها، لكنها تفشل في إيصال معناها.
وقد تنجح في صناعة محتوى جميل، لكنها تفشل في صناعة تجربة جميلة.
وقد تحقق ملايين المشاهدات، لكنها لا تحقق ثقة واحدة إضافية.
لذلك، فإن مستقبل العلاقات العامة والاتصال الحكومي لن يكون قائما على سؤال: كم وصلنا؟
بل على أسئلة أكثر عمقا:
ماذا فهم الجمهور؟
ماذا شعر؟
ماذا فعل؟
وهل أصبحت علاقته بالمؤسسة أفضل؟
هنا يبدأ الانتقال الحقيقي من الاتصال إلى التأثير.
فالمؤسسة الناجحة ليست التي تتحدث أكثر، وإنما التي تعرف متى تتحدث، وماذا تقول، ولمن، ولماذا.
وفي عالم أصبح فيه الجمهور أكثر وعيا، والمعلومة أكثر سرعة، والمنصات أكثر تأثيرا، لن تكون المنافسة بين الجهات الحكومية في من يمتلك أكبر عدد من المنصات أو ينشر أكبر عدد من الأخبار.
ستكون المنافسة الحقيقية في شيء واحد: من يستطيع أن يكون أقرب إلى جمهوره؟
وفي النهاية، قد ينسى الجمهور الخبر الذي نشرته المؤسسة، وقد لا يتذكر عنوان الحملة أو اسمها.
لكنه لن ينسى التجربة التي عاشها معها.
وهنا تحديدا يبدأ الاتصال الحقيقي.
من الاتصال إلى التأثير: كيف تصنع الجهات الحكومية علاقة حقيقية مع الجمهور؟
عبدالإله الشحيتان3 دقائق للقراءةحجم الخط
