يبحث الناس عن السعادة في أشياء كثيرة؛ في المال، والعمل، والعلاقات، وتحقيق الأمنيات، ويظنون أن حياتهم ستصبح أجمل متى حصلوا على ما يريدون؛ لكنهم يكتشفون بعد كل غاية يبلغونها أن السعادة التي انتظروها لم تدم طويلا، وأن النفس سرعان ما تعلقت بشيء جديد، وكأنها لا تصل إلى محطة إلا لتبدأ البحث عن التي تليها.

المشكلة ليست في أن يتطلع الإنسان إلى الأفضل، ولا في أن يسعى إلى تحسين حياته، وإنما في أن يربط رضاه بما لم يحصل عليه، ويؤجل سعادته حتى تتحقق جميع رغباته؛ فإذا نال وظيفة انتظر ترقية، وإذا امتلك بيتا أراد الأكبر، وإذا جمع مالا خاف أن ينقص وطمع في الزيادة، وهكذا يعيش عمره بين أمنية ينتظرها ونعمة لا يشعر بها، ليصبح الحاضر عنده مجرد طريق إجباري إلى مستقبل يظن أن السعادة تقيم فيه وحده، وكثير من شقاء الإنسان لا يأتي من قلة ما لديه، وإنما من كثرة نظره إلى ما لدى غيره؛ والمقارنات المستمرة تصغر النعم، وتحول حياة الآخرين إلى مقياس محبط يحاكم به المرء حياته؛ فيرى نجاحهم وينسى بداياتهم، ويجعله ينظر إلى نفسه بعين النقص، مع أن في حياته من النعم ما يتمناه آخرون، لكنه اعتاد وجودها وكأنه لم يعد يراها.

لا أقول إن الرضا يعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح، أو يقبل التقصير، أو يسكت عن الظلم، أو يترك الأسباب؛ فكلنا مأمور بالعمل، والسعي، وتطوير النفس، وتحسين الواقع؛ والفرق كبير جدا بين من يسعى وهو مطمئن، ومن يسعى وهو ساخط، وبين من يطلب المزيد لأنه يريد أن يبني حياته، ومن يطلبه لأنه لا يرى قيمة لما في يده.. الرضا ليس نهاية الطموح، وإنما هو الحالة التي تمنع الطموح من أن يتحول إلى جشع، وتحمي السعي من أن يصبح قلقا، وتجعل الإنسان قادرا على الاستمتاع بما حققه؛ فقد يكون الإنسان قليل المال لكنه واسع النفس، وقد يملك غيره أضعاف ما يملك، ومع ذلك يعيش فقير الشعور؛ لأن الغنى لا يقاس بما يدخل اليد وحدها، بل بما يستقر في القلب، وفي الوصايا النبوية الشريفة «ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».

الرضا الحقيقي يعيد ترتيب نظر الإنسان إلى حياته؛ فلا يجعله ينكر ما ينقصه، لكنه يمنعه من أن ينسى بسببه ما يملكه، ولا يلغي الألم، لكنه لا يسمح له بأن يمحو كل جميل، ولا يوقف الحزن، لكنه يحفظ في النفس مساحة للأمل مع التفكر العميق في الحديث الصحيح «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»، وفي الأثر المشهور «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى، ولو أفقرته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم، ولو أصححته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالصحة، ولو أسقمته لكفر».

أختم بأن الرضا يرتبط ارتباطا وثيقا بالشكر للمنعم سبحانه وتعالى، وهو خلق يتدرب عليه الإنسان؛ فبعض الأبواب لا تفتح مهما طال الوقوف أمامها، والرضا بهذه القاعدة ليس واحدا من أسباب السعادة فحسب، بل هو الأرض التي تنبت فيها، وقلوبنا المطمئنة الراضية أول موطن لها.