مسرح المدينة والرقص على الرصيف
وليد الزامل3 دقائق للقراءةحجم الخط
المسرح هو منبر حقيقي لتقديم رسالة واعية ومناقشة قضايا المجتمع، المسرح يوقظ البصيرة؛ وليس مجرد مكان للتسلية، فالمكونات المادية للمسرح هي العناصر الظاهرة. ولكن المسرح في جوهره يصنع التجربة والمعنى فهو يبني الثقافة؛ لأنه يجعلنا نتساءل لماذا حدث ذلك؟ وكيف نغير من السلوك؟
هذا المفهوم يمكن إسقاطه تماما على المدينة، حيث عرف كتاب Lewis Mumford بعنوان «ثقافة المدن» الصادر عام 1938 المدينة باعتبارها مسرحا للعمل الاجتماعي «Theater of Social Action». نعم، المدينة هي مسرح اجتماعي قائم بذاته؛ لأنها تحكي قصة العلاقة بين الإنسان والمكان. وعلى ذلك، فإنتاج المدينة يعبر عن إنتاج المعنى والتجربة الإنسانية التراكمية التي انطبعت في المكان بفعل الحياة. دور «المخطط العمراني» مشابه لدور «المخرج المسرحي»، فهو يحاول أن يهيئ الظروف المكانية الملائمة التي تخلق تجربة حياة أفضل لترتقي بالمجتمع وأساليب المعيشة.
يعمل التخطيط العمراني على تطوير سياسات حضرية عادلة ومستدامة تحقق التوازن بين قوى السوق والمصلحة العامة. التخطيط يوفق بين المصالح المتضاربة فلا يجعل السوق يقود المدينة بالمطلق حتى لا تتحول المدينة إلى كيان استثماري يوفر جودة الحياة لمن يدفع؛ وفي الوقت ذاته، لا يجعل المجتمع يقود المدينة فتتحول المدن إلى أنظمة اجتماعية عفوية.
لقد طرحت Jane Jacobs في عام 1961 مفهوما مشابها للمسرح الاجتماعي في كتابها «موت وحياة المدن الأمريكية»، حيث شبهت الحياة الحضرية برقصة الرصيف لتعبر عن النشاط العفوي المستمر في الأماكن العامة التي تبدو آمنة، ومستمرة، وفي حالة نشاط فاعل. إنها تريد الوصول إلى حقيقة مفادها أن الحياة يصنعها المجتمع في إطار تتبناه إدارات التخطيط في المدن وتعزز من استدامته.
ولكن، عندما يغيب دور المسرح الحقيقي يتحول إلى مجرد صالة عرض، وستارة، وتذاكر، وعروض ليس لها أي معنى ولا تحمل من مفهوم المسرح سوى اسمه. وعندما يغيب مفهوم المدينة تتحول إلى مجرد كيان مادي يعيش سكانها دون ارتباط بالمكان.
لماذا نخطط؟ فالإنتاج المسرحي قائم على استئجار دار عرض ونصوص جاهزة؛ وبالمثل فإنتاج المدينة قائم على التعاقد مع شركات مقاولات ومخططات مستوردة. وفق هذا المنطق، فالمدينة مجرد كتل عمرانية يتم استحضارها أو نقلها من مكان إلى آخر. بنية تحتية ومبان، وحدائق، ومسارات مشاة تعمل كديكور شكلي لا يعبر عن حياة حضرية حقيقية. مدن تسعى لإنتاج السلعة وتحقيق عوائد اقتصادية حتى لو كان ذلك على حساب التنمية المستدامة، وحقوق الفئات المستضعفة. ومسرح بلا رسالة قائم على الربح، يقدم سلعة تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، ولا يضيف قيمة ثقافية أو إنسانية.
دور التخطيط العمراني مغيب، حيث تسعى المدينة إلى صيانة وتجميل الإطار المادي لإخفاء مظاهر ضعف الحياة الحضرية؛ مجرد صالة عرض مكيفة يؤدي فيها الممثل دوره بلا معنى لأن الديكور أصبح أهم من هوية المدينة.
سكان المدينة هم مجرد ممثلين هامشيين Background actors يمثلون أدوارا صامتة ولا يمكنهم صناعة المشهد المسرحي، أقصد المشهد الحضري، وليس لديهم ارتباط بالمكان؛ بل إن العلاقة بينهم وبين المدينة في خصومة مستمرة. وفي أحيان أخرى، هم مجرد جمهور يدفع ثمن التذكرة وليس له رأي مسموع في مدينته؛ وعند انتهاء موسم العمل يسافر العديد من سكانها إلى الخارج لقضاء إجازاتهم. وهكذا، نسدل الستار لأن العرض المسرحي انتهى.
