الهياط وما الهياط.. حال يتظاهر عليه بعض الناس وهم على حال آخر... والهياط في اللغة يعني الضجيج ورفع الصوت الذي يجذب الانتباه.. وفي العامية والمعنى الدارج هو المبالغة في الكلام حد الضجيج والصخب للفت الانتباه.

يعتمد أسلوب الهياط في حياة مجتمع المهايطين على المدح والتصفيق على كل حال، والظهور بطرق مختلفة كل حسب قدراته الشخصية وظروفه وطريقة استعراضه الخاصة في المهايطة، لجلب السمعة سعيا لبلوغ منزلة عالية وغالبا هم لا يملكونها ويظنون أن الحياة المهياطية سبيل سهل وطريق ممهد إليها.. هذه الحياة التي يعيشها المهايطون حياة تشبه حياة الأفلام والمسلسلات في معظم تفاصيلها، يستعرضون بها أمام الآخرين حسب انتقائهم وظرف الحدث وحسب قدرات كل مهايط، ويقدمون من خلالها قصصا وهمية ومضحكة في الوقت ذاته، حتى هم إذا انتهوا من النسج والتمثيل والعرض يضحكون على أنفسهم في قراراتهم، ولكن مرض العظمة يضعهم تحت حالة من الشرود الذهني الذي يحلق بهم في سماء الأوهام لينسوا أنفسهم خلف الهالة ومطاردة المكانة التي يحظى بها غيرهم من الواقعيين اعتبارا وإرثا في بعض الأحيان، وأدوار تحت سقف معين جعل لهم الأسماء والأصوات، فاكتسبوا السمعة الطيبة والشهرة الواسعة أو حظوة حققت محبة الناس وقبولهم.

ولو عدنا إلى النتائج النهائية والخاتمة الفعلية لأصحاب هذه الظاهرة والتي تحولت للأسف الشديد مؤخرا إلى ثقافة اجتماعية يشرع فيها الكبير بلا حسابات وتكون النتائج مؤسفة جدا وبنهايات كارثية وبلا محصلة، ومنهم من سقط في براثن نواياه وسوء استعمال الأشياء، ومنهم من وقع ما بين ضلع الدين من جهة وخسارة أناس طيبين وثقوا بهم وفقد الصديق الصدوق من جهة، ودخول معترك حياة لا ترضي الله في الأول والأخير من نفاق ومجاملات خداعة ومفاخرة كذابة.

هذه الثقافة التي شاعت اجتماعيا نعرف تمام المعرفة أن المهايط يبغي من ورائها مساحة كافية من السمعة والانتشار بين الناس وعقد علاقات جديدة متماثلة تمهد لتلك المكانة التي هي في الحقيقة وهمية يتوهم بها ذلك المهايط الضعيف أنه صاحب المكانة.

هذه المهايطة التي غربت القريب وقربت الغريب ووضعت الأمور في غير نصابها وقلبت الموازين، هي نتاج أفكار متوهمين في حياة لم يعد فيها لعصب وللقريب أهمية أو مجال، فالمهايطون مجتمع مرتبط على تبادل المصالح والمنافع ولا تمت علاقاتهم للحب النقي والصفاء المتبادل بصلة، فهي لا تتعدى كونها مصالح خاصة وتنفع لكسب مساحة بين كبار المجتمع والرموز المجتمعية والأسماء الرنانة في الوسط الاجتماعي، حتى لو كانت شكلية وبمعرفة وقناعة تامتين منهم، وتأمين كرسي وهمي بين كبار الوجهاء الحقيقيين وأصحاب الكلمة والرأي والصوت المسموع والمؤثر.

ويتميز المهايط بدرجة كبيرة بالخداع لدرجة أن الشخص منهم يخادع نفسه بصدر رحب ولديه الاستعداد لارتكاب أي خطأ مقابل أن يصل ويمتلك طاقة كبيرة لا تتوقف، بالإضافة إلى البراعة في استخدام أسلوب المنافقة في المعاملة وبمهارات خارقة، وكأنه مجبور على الفعل وأن بقاءه في الحياة مرهون على هذه الأفعال التي لا تقدم في الحقيقة شيئا، بل إنها قد تؤخر وبدرجة كبيرة من مراحل مواكبة هؤلاء المهايطين لأقرانهم من الواقعيين، من حيث البناء الفكري والثقافي بصفة عامة والنمو الحياتي، وبالتالي فغالبية هؤلاء وإن تبسموا ضاحكين فهم في الواقع أسرى الهموم والهواجس، بينهم وبين أنفسهم حرب ضروس، وفي داخلهم معركة شرسة ضرائب العلاقات الكذابة والمجاملات الزائدة، فلا هم الذين ظفروا وإن تهيأ لهم ولا هم لرب أرضوا.

هذه الثقافة ليست إلا ثقافة تفاخر وتباهٍ واستعراض وصياح لأجساد خاوية من الداخل، كثير منها لا تحمل إرثا للكرم الحقيقي أو الوجاهة والرمزية أبا عن جد ولا بيانا في تباين أو اسما بين سجلات التاريخ وبين ريع الكرماء والوجهاء في صور الماضي التليد. أناس - وإن كان بينهم أحيانا الوجه المسمم - مجرد ضعفاء فارغين يتظاهرون بقوة الضجيج وكلام لا أكثر.

المهايطون قوم صدقوا ما عاهدوا أنفسهم عليه، قوم تواعدوا على الاستعراض والتباهي والتفاخر، وبذلوا من أجل ذلك الكثير، ودفعوا من أجلها كراماتهم وخيارا من الناس، بغية امتطاء ريح بلا وجهة فقدوا فيها الطريق نحو الوصول الصحيح.

نقطة أخيرة: للنفوس التي تشبهني استسلم بلا مقاومة للقلوب النابضة بالحب، اخضع بلا ضعف.