في السنوات الأخيرة ظهر ما يعرف بـ"الطفل الرقمي"، وهو الطفل الذي ولد ونشأ في عالم تحيط به الشاشات من كل جانب، فأصبحت الأجهزة الذكية جزءا من تفاصيل يومه منذ سن مبكرة، وبينما فتحت التكنولوجيا أمامه أبوابا واسعة للتعلم والمعرفة والتواصل، فإنها في المقابل فرضت تحديات جديدة تتعلق بالمحتوى الذي يتعرض له ومدى تأثيره في أفكاره وسلوكياته وشخصيته، فمع تزايد الوقت الذي يقضيه الأطفال في العالم الرقمي، باتت الحاجة ملحة إلى تعزيز الوعي الأسري والتربوي لضمان أن تكون التقنية وسيلة للبناء والنمو لا مصدرا للمخاطر والتأثيرات السلبية.

ومع التوسع الكبير في استخدام الأجهزة الالكترونية بين مختلف الفئات العمرية من الأطفال، بدأت الأوساط العلمية والطبية والاجتماعية تنظر إلى القضية من زاوية أعمق من مجرد حساب ساعات المشاهدة، فخلال هذا العام 2026 صدرت تحذيرات جديدة عبر دراسات حديثة أعادت تسليط الضوء على هذه القضية، فقد نشرت مجلة Journal of Affective Disorders دراسة بعنوان Behind the Screen، تابعت الأطفال وأظهرت أن متوسط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ارتفع من 3.77 ساعات يوميا عند سن الخامسة عشرة إلى 6.07 ساعات عند سن الثامنة عشرة، والأهم من ذلك أن الباحثين وجدوا أن الاستخدام الإشكالي أو الإدماني لوسائل التواصل كان أكثر ارتباطا بأعراض الاكتئاب والقلق والمشكلات النفسية من مجرد عدد الساعات التي يقضيها المراهق أمام الشاشة، كما نشرت مجلة Scientific Reports خلال عام 2026 عدة دراسات تناولت العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للمراهقين، وأكدت أن التأثيرات السلبية ترتبط في كثير من الأحيان بطريقة الاستخدام والمقارنات الاجتماعية والإدمان الرقمي أكثر من ارتباطها بالمدة الزمنية وحدها، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في كيفية تعامل الأسر مع هذه المنصات.

وبجانب ما سبق حذرت مراجعة علمية حديثة نشرت في يونيو 2026 في مجلة European Child & Adolescent Psychiatry، أعدها باحثون من ألمانيا وأستراليا، وشملت 42 دراسة وأكثر من 46 ألف مشارك من (الأطفال والمراهقين) من ارتباط الاستخدام المفرط للفيديوهات القصيرة بزيادة التشتت وضعف الانتباه والذاكرة العاملة وانخفاض القدرة على ضبط النفس، مؤكدة أن نوعية المحتوى وطريقة استهلاكه لا تقلان أهمية عن عدد ساعات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

ولعل ما يزيد من حجم التحدي أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تقدم اليوم مزيجا من المحتوى النافع والضار في آن واحد، فمن خلالها يستطيع الطفل الوصول إلى مواد تعليمية وثقافية مميزة، لكنه قد يتعرض في الوقت نفسه إلى معلومات مضللة أو سلوكيات غير مناسبة أو نماذج فكرية وقيمية لا تتوافق مع عمره أو بيئته الاجتماعية.

تكمن الخطورة في أن الأطفال والمراهقين لا يمتلكون دائما القدرة الكافية على التمييز بين ما هو صحيح وما هو خاطئ، أو بين ما يمثل واقعا حقيقيا وما هو مجرد صورة مثالية مصطنعة، ومع تكرار التعرض لمثل هذه المحتويات، قد تتأثر طريقة التفكير وتتشكل قناعات وسلوكيات جديدة بعيدا عن التوجيه الأسري والتربوي السليم.

ومن العوامل التي ساهمت في تفاقم المشكلة ضعف الرقابة الأسرية أو غيابها في بعض البيوت، فكثير من الأطفال يمتلكون اليوم أجهزة خاصة بهم ويتصفحون المنصات لساعات طويلة دون متابعة حقيقية لما يشاهدونه أو يتفاعلون معه، وفي بعض الأحيان يعتقد الوالدان أن وجود الطفل داخل المنزل يعني أنه في بيئة آمنة، بينما قد يكون عمليا يتعرض يوميا لعشرات الرسائل والأفكار والمؤثرات التي لا يعلم عنها أحد شيئا، وبذلك يتحول العالم الرقمي تدريجيا إلى أحد أهم المصادر المؤثرة في تشكيل شخصية الطفل وسلوكه.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أو نختلف عليها هي أن الحل لا يكمن في منع الأطفال من استخدام التقنية أو عزلهم عن العالم الرقمي، فذلك أمر غير واقعي في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا أساسيا من التعليم والتواصل والحياة اليومية، وإنما يكمن الحل في الاستخدام الواعي والمتوازن، فمن أبرز الحلول الممكنة تحديد أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة الالكترونية، ومتابعة نوعية المحتوى الذي يتابعه الأطفال، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية المتاحة في التطبيقات والمنصات المختلفة، كما ينبغي تشجيع الحوار المفتوح بين الوالدين والأبناء حول ما يشاهدونه على الإنترنت، وتعليمهم مهارات التفكير النقدي والتمييز بين المحتوى المفيد والضار، كذلك من المهم تعزيز البدائل التفاعلية والواقعية مثل ممارسة الرياضة والقراءة والأنشطة الاجتماعية والهوايات المختلفة، لأن الطفل الذي يمتلك حياة متوازنة خارج الشاشة يكون أقل عرضة للتأثر السلبي بالمحتوى الرقمي.

ختاما، لا تكمن المشكلة في الشاشات ذاتها، بل في طريقة استخدامها وفي مستوى التوجيه والرقابة المصاحب لها، فكلما كان المحتوى أكثر أمانا، وكانت الأسرة أكثر حضورا ووعيا، تحولت التقنية إلى أداة لبناء المعرفة وتنمية المهارات، بدلا من أن تصبح مصدرا للتأثير السلبي في فكر الطفل وشخصيته.