هناك رقم واحد يختصر التحول الذي تشهده صناعة الدواء أكثر من أي إطلاق لمنتج جديد. ففي عام 2025، وقعت شركات التقنية الحيوية الصينية صفقات ترخيص عابرة للحدود بلغت قيمتها الإجمالية 137.7 مليار دولار، مقابل 13.9 مليار دولار فقط في عام 2021. أي أن القيمة تضاعفت نحو عشر مرات خلال أربع سنوات. وقد مثلت هذه الصفقات قرابة ثلث الإنفاق العالمي على تراخيص الأدوية، ونحو 90% من صفقات ترخيص الأجسام المضادة المقترنة بالأدوية (ADC)، وهي من أكثر تقنيات علاج السرطان قيمة اليوم.

لم يعد الأمر مجرد صفقات قليلة لافتة. ارتفع عدد الاتفاقيات من 65 صفقة إلى 186 صفقة خلال الفترة نفسها، مع توقعات بتسجيل رقم قياسي جديد هذا العام. وتوضح أسماء الشركات حجم التحول: اتفقت شركة «أسترازينيكا» مع شركة سي إس بي سي (CSPC) على تطوير مرشحات مرتبطة بعلاج الوزن بقيمة قد تصل إلى 18.5 مليار دولار، والتزمت جي إس كي (GSK) بأكثر من 12 مليار دولار عبر مجموعة من برامج هنغروي (Hengrui)، بينما رخصت أبفي (AbbVie) علاجا سرطانيا من ريميجين (RemeGen) في صفقة قد تبلغ 5.6 مليارات دولار. أما «فايزر» فدفعت 1.25 مليار دولار مقدما مقابل مرشح واحد لعلاج السرطان من شركة ثري إس بايو (3SBio).

اليوم، تسهم الشركات الصينية بما يقارب 30% من نشاط تطوير الأدوية عالميا، ولديها أكثر من 1200 علاج مبتكر قيد التجارب السريرية. وهذا يعني أن الطريق القديم، الذي كانت تنتقل فيه التقنية الدوائية من المختبرات الغربية إلى الأسواق والمصانع الآسيوية، لم يعد يسير في اتجاه واحد. لقد بدأ الابتكار نفسه يتحرك من الشرق إلى الغرب، وبسرعة لم تلحق بها كثير من الخطط الاستراتيجية في منطقتنا.

كيف حدث ذلك؟ لم يكن السبب أن علوم الدواء والأحياء والكيمياء في الصين أصبحت فجأة مختلفة عن بقية العالم. العامل الحاسم كان اجتماع الطلب مع الإصلاحات التنظيمية. فمن جهة، تواجه شركات الدواء الكبرى موجة انتهاء براءات قد تضع ما يقارب 200 مليار دولار من الإيرادات السنوية للأدوية الأصلية تحت التهديد بين عامي 2026 و2030، في وقت خفضت فيه بعض الشركات ميزانيات البحث الداخلي.

لذلك أصبح شراء أو ترخيص علاج جاهز للتطوير أقل كلفة وأسرع من اكتشافه من الصفر.

ومن جهة أخرى، أمضت الصين عقدا كاملا في إعادة بناء بيئتها التنظيمية. انضمت هيئة الدواء الوطنية الصينية (NMPA) إلى المجلس الدولي للتنسيق (ICH) عام 2017، وأدخلت مسارات للعلاج الواعد، والمراجعة ذات الأولوية، والموافقة المشروطة، وبدأت تقبل بيانات التجارب متعددة الدول. كما جعلت بدء الدراسة أسرع، وتنفيذها أقل كلفة، بالتزامن مع عودة جيل من العلماء الذين تدربوا في مختبرات غربية. النتيجة لم تكن إنجازا علميا فقط، بل إنجازا في السياسات والإدارة.

وهنا ينبغي أن ننظر إلى واقعنا. يدور معظم حديثنا عن توطين صناعة الدواء حول المصانع وخطوط التعبئة ونسب المحتوى المحلي في المناقصات. التصنيع مهم بلا شك، لكنه الجزء الأكثر تنافسا والأقل هامشا في سلسلة القيمة. أما القيمة الكبرى فتوجد في ابتكار الأصول الدوائية، أو في فرصة أقرب إلى قدراتنا الحالية: أن نصبح المكان الذي تختبر فيه هذه الأصول بسرعة وكفاءة وموثوقية.

لا نحتاج إلى الادعاء بأننا سنسبق الصين في اكتشاف الجزيئات. لكن يمكننا أن نجعل المملكة وجهة مفضلة للتجارب السريرية. لدينا نسبة كبيرة من الشباب، وانتشار مرتفع لأمراض استقلابية ووراثية يحتاج العالم إلى دراستها، ومراكز طبية متقدمة تتركز في عدد محدود من المدن، ونظام صحي مركزي يستطيع التحرك بسرعة عند وجود قرار واضح. ما ينقصنا أمور عملية قابلة للإصلاح: تقليص زمن بدء الدراسات، تشغيل المراجعات للتجارب السريرية ومقابل السريرية والتعاقدية بالتوازي بدلا من التسلسل، ومنع العقود من استهلاك وقت أطول من تجنيد المرضى، وبناء قدرة وطنية تدير التجربة كاملة وفق المعايير الدولية.

كما أن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والقيود الأمنية والتجارية المتزايدة، يفتحان مساحة للدول الواقعة بين الكتلتين.

فالممر الذي تسلكه الصناعات الدوائية عزيزي القارئ لا يحدده دائما صاحب أفضل مختبر، بل الطرف الأسهل والأسرع والأكثر وضوحا في التعامل. وهذه منافسة يمكننا دخولها من دون اختراع جزيء واحد. ثمن الدخول هنا ليس مليارات المصانع، بل إصلاح إداري منضبط.

وربما تكون هذه أرخص فرصة استراتيجية متاحة لنا، وأكثرها إهمالا.

nabilalhakamy@