ماذا لو عاد متبعثرا؟
ياسر عمر سندي2 دقائق للقراءةحجم الخط
العلاقات الإنسانية قانون حساس ودقيق، لا يستقيم إلا إذا صاغ كل إنسان قواعده بوعي، ورسم حدوده بإدراك؛ هذا القانون يمتد عبر خمس دوائر أساسية في حياتنا الاجتماعية: دائرة الأسرة بين الزوجين والأبناء، ودائرة العائلة الكبيرة الأجداد والإخوة والأحفاد، ودائرة الأصدقاء، ودائرة العمل، وأخيرا دائرة المجتمع العام من الجيران ومن تجمعنا بهم المصالح والأعمال والمواقف العابرة.
في كل دائرة تحدث التجاوزات لا محالة؛ بعضها يكون مقصودا، والآخر يحدث نتيجة ردة فعل لسوء فهم؛ لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتم تجاوز الحدود، ثم المدافعة والصدود، ورفض الاعتذار وفرض الرأي والاستمرار؛ بالمكابرة، والتعنت، والتشبث الأرعن، حتى عندما تتكشف الحقيقة للعلن.
هنا نحتاج لتلك المساحة المحايدة لتفعيل دور المراجعة الذاتية التي يحتاجها الإنسان مع نفسه والآخرين؛ لاسترجاع المواقف السابقة واستدراك التوقعات اللاحقة والتقاط جمال اللحظات من شريط الذكريات.
«التبعثر»؛ حالة وجدانية يعيش خلالها الإنسان متأرجحا بين تمسكه برأيه الذي يدافع عنه، وبين ضميره الذي بدأ يخبره بأنه فعل الخطأ وكرره؛ فتختلط مشاعره بأفكاره، ويتدخل غروره فيمنعه، ليظل واقفا في مكانه؛ لا يستطيع الاعتذار، ولا يمكنه الاستمرار.
التساؤل: من يأخذ زمام الأمر ويلعب الدور لإنقاذ حالة التبعثر؟
برأيي، إن الوضع يحتاج لجلسة مكاشفة صادقة مع النفس، ووقفة إنسانية مع الآخر؛ لإعادة فهم فلسفة الاعتذار بأنها ليست هزيمة، والتراجع عن الخطأ ليس انكسارا، بل شجاعة أخلاقية تحفظ للنفس كرامتها وتعيد للعلاقة معناها.
كم من علاقة تلاشت بسبب خطأ لم يتبعه اعتذار، وكم من بيت تشقق لأن أحد أطرافه عاند وأصر؛ علاقات زوجية ترهلت، وعائلات تشرذمت، وصداقات تناثرت، وأخرى انقطعت، ليس لأن الخطأ كان مستحيل التجاوز، بل لأن الاعتذار تأخر والكبرياء حضر؛ وكانا أقوى من الرغبة في العودة.
ليس بمقدورنا منع وقوع الخطأ، ولكن نستطيع إيقاف التمادي؛ نتوقف، ونستبصر، ونسأل أنفسنا: هل يستحق الموقف أن نخسر من نحب؟ وهل التصعيد والغرور أهم من إخماد نيران الشرور؟
ربما يعود المخطئ يوما بعدما أضاع أجمل أيام عمره؛ لكنه سيعود منهكا متبعثرا.
أرقى ما في الاعتذار، أن تعود النفس التي اشتاقت، أن تجد أمامها قلبا لم يغلق أبوابه، ينتظر عودة أحبابه، قلبا يختار أن يواجه أخطاءه بدل أن يختبئ وراء صلابته.
هنالك اعتذار باهت لتجميل الموقف، وآخر ينطق استعلاء للأسف، واعتذار ليس من ورائه أي هدف. لكن الاعتذار الصادق يعرف قيمته بما يصاحبه من ندم، وسلوك قويم يحرص على ألا يتكرر الألم.
فلسفة الاعتذار بداية جديدة؛ ونقطة انطلاق لعلاقة وطيدة، أعلى نضجا، وأكثر رحمة.
القلوب النقية لا تبحث عمن لم يخطئ، بل عن الذي أخطأ وعرف كيف يعود، وكيف يعتذر، وكيف يصلح ما أفسده التبعثر.
Yos123Omar@
