«ذكريات مدرس»... صفحات من تاريخ التعليم في مكة المكرمة
حسن عبدالعزيز مكاوي4 دقائق للقراءةحجم الخط
قبل قرابة ثمانية وأربعين عاما، صدر كتاب «ذكريات مدرس» لمؤلفه الأستاذ عبد الرحمن بكر صباغ - رحمه الله -، وهو مدرس ومفتش سابق بوزارة المعارف في المملكة العربية السعودية، عايش جانبا مهما من مراحل تطور التعليم في مكة المكرمة والمملكة.
وقد اختصر المؤلف سيرته الذاتية على الغلاف الخلفي للكتاب، مؤرخا لها في 20 / 10 / 1399هـ، بقوله:
«ولدت بمكة في رمضان 1327هـ، بدأ تعليمي بالكتاب وبمدرسة الخياط ومنها للقلعة قسم الحفاظ، انقطعت عن الدراسة وعدت إليها بالمدرسة الفخرية حتى تحصلت على الشهادة الابتدائية وتعينت مدرسا بها. تحولت إلى مدارس الحكومة السعودية وتقلبت في وظائفها حتى تعينت مفتشا بالوزارة، ألفت بعض الكتب المدرسية وغيرها منفردا ومشاركة، ثم بعد ثلاثين عاما في خدمة التعليم طلبت الإحالة للتقاعد وتوجهت إلى مصر، لتعليم عيالي».
وتكشف هذه السيرة المختصرة عن رحلة تعليمية حافلة، امتدت لثلاثة عقود، تنقل خلالها المؤلف بين مراحل متعددة من مسيرته في ميدان التعليم؛ بدأت بالتعلم في كتاتيب مكة ومدارسها، ثم انتقل إلى العمل في التدريس، قبل أن يلتحق بمدارس الحكومة السعودية، ويتدرج في وظائفها حتى عين مفتشا بالوزارة، إلى جانب إسهامه في التأليف المدرسي وغيره.
ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب «ذكريات مدرس» شاهدا على جانب من تلك المرحلة التعليمية؛ فقد صدر في 89 صفحة من القطع الصغير، وكانت طبعته الأولى في صفر 1400هـ، ثم أعادت وزارة المعارف طباعته طبعة ثانية في ربيع الأول 1402هـ، ضمن سلسلة المكتبات المدرسية.
ويستعرض المؤلف في الكتاب ملامح التعليم في مكة المكرمة في زمنه، ومن أبرزها الكتاتيب التي كانت منتشرة في أحياء مكة المكرمة، إلى جانب كتاتيب المسجد الحرام والمساجد الكبرى، فضلا عن كتاتيب كانت في مستوى المدارس النظامية. ومن أشهر هذه الكتاتيب: كتاب الشيخ عبدالحق الهندي، وكتاب الشيخ سعد الله الهندي، وكتاب الشيخ عبدالله حمدوه السناري.
ولا يقتصر حديث المؤلف على الكتاتيب، بل ينتقل إلى حلقات التدريس بالمسجد الحرام، مستعرضا أشهر من تخرج منها من المشايخ، ومنهم: عمر باجنيد، وسعيد اليماني وأبناؤه حسن وعلي، والشيخ أبو بكر بابصيل، والشيخ جمال مالكي، والشيخ المرزوقي أبو حسن، والشيخ حسن مشاط، والشيخ عيسى رواس، وغيرهم.
وبعد ذلك، ينتقل المؤلف في حديثه إلى مرحلة أخرى من مسيرته التعليمية، وهي التحاقه مدرسا بالمدارس الحكومية السعودية، مستعرضا عددا من المدارس التي عمل بها، ومنها مدرسة الماحي بالشبيكة، ومدرسة الصفا التحضيرية، التي كانت مشرفة على المسجد الحرام من جهة باب علي، ثم مدرسة جدة الابتدائية، والمدرسة العزيزية الابتدائية، التي كانت مدرسة نموذجية، وكان يراد منها تغذية مدرسة تحضير البعثات.
ثم ينتقل المؤلف، في فصل آخر من الكتاب، إلى الحديث عن تطور التعليم في العهد السعودي، متناولا تعيين الملك عبدالعزيز - رحمه الله - للسيد طاهر الدباغ مديرا عاما للمعارف، خلفا للشيخ حافظ وهبة، كما يتحدث عن إنشاء مدرسة تحضير البعثات، وهي عبارة عن مدرسة ثانوية ذات منهاج يماثل مناهج المدارس الثانوية الخارجية في البلاد العربية وغيرها، حتى يتمكن خريجوها من الالتحاق بالكليات الجامعية هناك.
ويستعرض بعد ذلك المدارس الأهلية، التي كانت نشأتها على أنقاض الكتاتيب شبه النظامية؛ فكانت مدرسة الفلاح امتدادا لكتابي عبدالله حمدوه السناري والسركتي السناري، والمدرسة الفخرية امتدادا لكتاب عبدالحق، بينما نشأت الصولتية من بعض كتاتيب الشبيكة وحارة الباب.
وهنا يذكر لنا المؤلف مرحلة أخرى من مسيرته التعليمية، حيث سافر إلى تهامة عام 1359هـ، بعد تعيينه مديرا لمدرسة أبي عريش، إلا أنه عاد إلى مكة بعد عشرة أشهر، ليعمل مدرسا في المدرسة العزيزية الابتدائية، وذلك لعدم وجود إدارة شاغرة في مدارس مكة.
بعد ذلك، تنقل المؤلف بين بعض مدن المملكة، مديرا لعدد من المدارس فيها؛ فعمل مديرا لمدرسة ينبع البحر ومدارس ينبع النخيل، وكان ذلك عام 1361هـ. وبعدها بثلاث سنوات، وتحديدا عام 1364هـ، نقل إلى الطائف مديرا لمدرسة الطائف.
ومن ثم عاد إلى مكة المكرمة، منتدبا لإدارة المدرسة السعودية بالمعلاة، ثم نقل بعد ذلك مدرسا في المعهد العلمي السعودي، ولم يمضِ على نقله عامان حتى أصبح مساعدا لمديره الأستاذ محمد حلمي الخطاط.
وفي أول العام الدراسي التالي لقيام وزارة المعارف عام 1373هـ، عين المؤلف مفتشا إداريا فيها. وبعد عمله في مجال التفتيش، تمنى لو أنه لم يترك وظيفته مساعدا لمدير المعهد العلمي بمكة المكرمة، لما كان في هذه الوظيفة من استقرار وبعد عن المتاعب، على حد قوله. كما ذكر أن هذه الوظيفة كانت أحد أسباب عجلته في طلب التقاعد قبل أوانه بعشر سنوات.
وبعد ما يقرب من ثلاثين عاما قضاها في خدمة العلم، أحيل إلى التقاعد بناء على طلبه، وكان راتبه التقاعدي 450 ريالا. وبعد تقاعده، سافر إلى مصر مع عائلته، بعد أن بعثت وزارة المعارف ابنه للدراسة فيها.
وفي الختام، ما ذكر في الأسطر السابقة ليس إلا جزءا يسيرا مما يحمله هذا الكتاب «ذكريات مدرس» من مادة قيمة للباحث والمهتم بتاريخ التعليم في مكة المكرمة؛ فهو لا يوثق تطور التعليم فحسب، بل ينقل ذكريات وتجارب رجل عاصر تلك المراحل وشارك فيها، ليحفظ جانبا مهما من ذاكرة التعليم ورجالاته ومؤسساته.
makkawicom@
